مسامرات حظر التجوال

مسامرات حظر التجوال بعض الجنون عثمان أحمد حسن كنت في عمر صغير، في السادسة. البيت دب فيه النشاط لليلة الختامية للمولد، فجدي لأمي يتصدر نشاط خيمة الأنصار، يوصينا بالتحضير للذهاب للخيمة عقب المغيب بينما يكون هو هناك منذ الظهر

مسامرات حظر التجوال

مسامرات حظر التجوال

بعض الجنون

عثمان أحمد حسن

 

 

كنت في عمر صغير، في السادسة.
البيت دب فيه النشاط لليلة الختامية للمولد، فجدي لأمي يتصدر نشاط خيمة الأنصار، يوصينا بالتحضير للذهاب للخيمة عقب المغيب بينما يكون هو هناك منذ الظهر، يجهز الوليمة و يستقبل الضيوف و يقرأ الراتب.
 خرجت بغير سبب، عند الناصية وجدت مجموعة من اربعة أو خمسة من الكبار يتحلقون حول الراديو و يدور بينهم حوار عاصف حول أمر غامض، الهلال ، المريخ، الدوري، الكاس، غالب، مغلوب، و جدال يشبه السباب و ماهو بالسباب، فقد كانت البسمة تعلو الوجوه، أحمد خالد، أحمد بريمة، عثمان خالد و آخرين، كانوا هم من عنيتهم، كل ما سمعته كان طلاسما و لم أفقه منه كلمة واحدة، فقط استهواني الطقس و إهتمامهم،  فجلست غير بعيد و دون ان أخالطهم فما كانت سني تسمح بذلك، استمر حديثهم وقتا، نسيت وصية جدي و نسيت فرحة ليلة المولد، فقد اغراني ما يدور بينهم، و أغراني أنهم تناسوا إحتفال ليلة المولد الموعودة.
بعد برهة ساد الصمت، فقط ارتفع صوت المذياع يردد حديثا كالذي كان يدور بينهم، عرفت أن الأمر جلل وله أهمية، ظننته حفلا غنائيا وانتظرت الموسيقى و الغناء و لكن لا. سمعت شيئا آخر، ميدان، كرة، حكم، فهمت شيئا يسيرا، فبيتنا يجاور ميدان المدرسة و يلعب فيه التلاميذ الكرة، ظننته يتحدث عن لعب في الميدان المجاور فسألت نفسي كيف يلعبون ونسمع عنهم في الراديو، و لماذا لا نذهب لنراهم يلعبون فالميدان قريب جدا.
مما يجري فهمت أن كل الحضور يشجعون فريقا اسمه الهلال، وأن مجموعة أخرى تشجع الفريق الخصم تتابع ذات المباراة في فريق السوق، أحمد عباس و بابكر ود الحلال وآخرين.
لم افقه من حديث المذيع شيئا كثيرا و لكن مما وعيت و بقي على مر الستين عاما إلا قليلا الصمت الرهيب الذي يخيم على الجميع، فقط صوت المذيع واضح الكلمات يعلو وينخفض، الكورة مع عبد الله أوهاج،  يمرر للجناح الشمال يونس الله جابو يثبت، يتقدم يحاور حسنين جمعة و يفوت منو، أداها جكسا، اللاعب الجديد من فريق العباسية، جكسا فات من الأستوبر عبد الله عباس و فات من مدافع المريخ حمري و جكسا يشوت، ارضية يسارية و قووووووون *                   
قفز كل الحضور يتعانقون.
جريت لداخل بيتنا و أنا أصرخ قوون قوون قوون، كل الحضور في بيتنا لا علاقة لهم بالكرة و لا شأن لهم بها ولا يعرفون ما يدور خارج السور، فغروا أفواههم دهشة، ظنوا أن بي مسا من الشيطان، جدتي أمسكت بيدي وقالت قلت ليك ما تحوم مع العصريات الشواطين حايمين، نزعت يدي منها و أنا أصيح قوون قوون، أمي أمسكت بيدي و هي تقول قول بسم الله قول بسم الله، فجأة انتبهت أمي و جدتي للأصوات التي تهتف قووون، قوون، فاطلقن يدي وأصخن السمع، تأكدن أن أمرا جللا يجري، فرفعن رؤوسهن يستطلعن الأمر، عندها جلسن يستغفرن الله و يحمدنه على نعمة العقل ويبحلقن في وجهي في استغراب.
مع تنامي الوعي عرفت الهلال و المريخ و الدوري و الكاس، ظللت اتابع مباريات الكرة التي تذاع و عرفت اسماء اللاعبين و الحكام، المرحلة المتوسطة كانت سطوة الرياضة كاسحة فتعرفنا على الفرق العربية و الإفريقية و الإتحادات المحلية و القارية و منافساتها وأبطالها، في المرحلة الثانوية كانت النقلة الكبرى، استاذنا شمس الدين في قلع النحل الثانوية العامة، وهو من ابناء بورتسودان، رحب بنا حين انتقلنا للدراسة في بورتسودان الثانوية، وقتها كان عضوا بنادي هلال بورتسودان، دعانا للنادي وتناولنا الشاي و المرطبات في مناسبات النادي.
الطلاب المشجعون لنادي الهلال لهم وجود معتبر، الهادي مقدم، علي أتش، سيف الدين محمد مدني، سيد كوسا، سليمان قردين، صديقي هاشم دياب من طوكر، ربطتني به صداقة حميمة و نترافق لحضور المباريات التي طرفها هلال الثغر بدار الرياضة و نعود معا، زار نادي الهلال العاصمي مدينة بورتسودان، صديقي هاشم دعاني لمأدبة يقيمها أحد أقاربه، ذهبنا و اكتشفت أن ضيوف المأدبة هم لاعبي فريق نادي الهلال العاصمي الزائر،و أكتشفت الشبه الذي يبلغ حد التطابق بينه ولاعب الهلال الشهير علي قاقارين، ذلك اليوم كان من أيام فرحتي الكبرى، في وقت شح في الفرح.
بعد انتهاء دراستي الثانوية، انتقلت للإقامة في الخرطوم، كان نادي الهلال محطة ثابنة في جدول حركتي اليومية، نحضر التمارين في الأستاد أو نجلس داخل النادي نستمع لذكريات قدامى المشجعين، عبد الكريم الزبير و العم شبشة.
العام 1980 كان كئيبا لمشجعي الهلال، فاز فريق الموردة على الهلال مرتين، ثم جاءت مباراة فاصلة تحدد بطل الدوري، من يفوز يكسب كأس الدوري، في استاد الخرطوم، جاء الهلال مكتمل الجاهزية، و جاءت الموردة، و حين أقول الموردة، فهي الضلع الثالث للقمة السودانية، و كان فريقها فوق الإكتمال، و لك أن تتخيل فريقا ينزل الميدان و يضم عبد النور، عصام باسطة، أولاد العاتي، بشير عباس، ولاعب جديد ضئيل الحجم اسمه شرحبيل، كان واضحا إصرار الموردة على إحراز الكأس، لعبوا لعبما منظما و هادئا، ثم استلم الكرة شرحبيل و فعل بها ما اسكت المدرجات الشمالية معقل مشجعي الهلال، أحرز هدفا انتهت عليه المباراة، أواخر ديسمبر، برد الخرطوم قارس ينخر في المشاش.
اصبت بشئ لا أدري كنهه، انتبهت لنفسي في الطريق الذي يمثل الحد الشرقي للحارة الثامنة مدينة الثورة، مدينة الرياض الحالية كانت فضاء و ميادين تلعب فيها الروابط، بالطبع يسود الظلام و السكون، فقط متجر وحيد يفتح شرقا، صاحب المتجر نثر الفول امامه أسفل الإضاءة الوحيدة المتاحة، عمود الكهرباء مزود بلمبة عمشاء عبر الشارع، وقفت أمام المتجر متسائلا إن كان  لديه مشروب، قال لديه فرات، سالته قارورة، دلقتها في جوفي بلا توقف و طلبت أخرى، الحقتها بسابقتها، اخرجت حافظتي لدفع قيمة ما شربت و لكني لم أجد صاحب المتجر، تلفت حولي فوجدته عبر الشارع يقف اسفل عمود الإضاءة و بيده عصا، لم استوعب ما يجري، مددت النقود و قلت له تفضل، بحلق في وجهي و قال: مابك؟ قلت مابي؟ فجأة انتبهت لنفسي، رغم البرد القارس كنت اتصبب عرقا، ولا ادري أين قميصي فقد كنت ارتدي فنيلة داخلية فقط و حتى الآن لا أعرف كيف قطعت المسافة من استاد الخرطوم الى الحارة الثامنة بمدينة الثورة، جلست و رويت له الحدث، بحلق في وجهي مليا و تمتم بكلمات فهمت منها اني مجرد مجنون، كان ذلك آخر عهدي بملاعب كرة القدم.

• وصف مسار حركة الكرة وتبادلها بين لاعبي الهلال من مقال للاستاذ محمود دليل بقروب مدرسة بورتسودان الثانوية