مربع الحداثة (الفارغ)--2

مربع الحداثة (الفارغ)--2 قراءة في رواية الورد وكوابيس الليل للروائي عيسى الحلو عامر محمد أحمد حسين تتسع الرؤية عند عيسى الحلو وهي تنبش في مرآة الذاكرة، هوية المجتمع المغلق على ذات جريحة، مصدومة، في مقابل سلطة غاشمة ومرعوبة، ساذجة وماكرة، تلبس لكل مرحلة لباسها.

مربع الحداثة  (الفارغ)--2

مربع الحداثة  (الفارغ)--2
قراءة في رواية الورد وكوابيس الليل
للروائي عيسى الحلو
عامر محمد أحمد حسين

 

 

 


تتسع الرؤية عند عيسى الحلو وهي تنبش في مرآة الذاكرة، هوية المجتمع المغلق على ذات جريحة، مصدومة، في مقابل سلطة غاشمة ومرعوبة، ساذجة وماكرة، تلبس لكل مرحلة لباسها.
"الهيمنة كالسيطرة تجعلان من أعضاء مجتمع ما مجرد كائنات وديعة في تقاسمها لمعلومات سمعية – بصرية, ولمجموعة ممارسات وإحالات"(1) "لا تعرف ان كانوا يشعرون بالحزن أو الرعب, والخوف, كانت أقدامهم تلامس الأرض, وتطأها في خفة يحلقون كالحمائم والعصافير, يتلصصون ويسترقون النظر والسمع"(2)
الهيمنة والسيطرة, الرعب والخوف. يتحول الكائن البشري الى مسخ بلا روح بلا أمل, بلا عمل, يرسل خياله الى اللا خيال, الشرخ النفسي يستوطن دواخله, يشيخ قبل أوانه, يجلس على وسادة خالية من المستقبل, كائن منزوع الانسانية, منزوع الإرادة "وساوس بصرية, سمعية, تقوده حيث اللا شيء واللا جدوى, الأقدام الحافية من تأمل غد أفضل, تطأ الأرض واجفة حزينة, تحلق كحمامة مذبوحة, وعفور نتفت الأيام ريشه يطل من شباك الحياة بلا شقشقة, يخاف أن يخرج من داخله صوت لا ترضاه آلة الصمت والكبت, يتراجع المشروع العام, بتراجع الخاص, بنزيف الأمس, وخوف ما قبل الأمس وما بعد اليوم, يتلصص على حيواتهم, يجدها خالية من الهموم, يتلصص على نعمائهم كانوا رصفاء, أصدقاء, أحباء, تحدثه نفسه الأمارة بالذكرى القديمة, و"بينما يحمل الرجال الأشياء على رؤوسهم تحمل النساء حمولتهن على الأكتاف, وفي وقت الراحة يلزم المصريون بيوتهم, لكنهم يتناولون طعامهم في الطرقات, اتفاقاً مع الرأي القائل بأن ماهو غير لائق ولكن يتحتم على المرء فعله يجب أن يؤدى في الخفاء أما ماهو لائق فيجب أن يتم في العلن"(3) "وامتلأت الشوارع والساحات بالناس والميادين العامة ومؤسسات الدولة وجوههم شاحبة, وعيونهم جاحظة, وأفواههم جافة يهمسون همساً خافتاً ويتكلمون بالاشارة"(4) ما الذي أصاب الناس, فشحوب الوجوه, اشارة الجوع والخوف والارهاق الشديد الأفواه جافة, عطش الأرض والناس, الهمس والخوف, علامتا الكبت والرعب, تتجلى في سرد حكاية الجماهير وهي تزحف الى الشارع, اللحظة الفارقة, في السؤال عن الذي أصاب الناس, فهرعوا الى الشوارع, هل هي "غارة" جوية, أرسلت حممها الى مكان ما, فسمع الناس الدوي, وكانت الصدمة, أصابهم "الخرس" والكلام بلغة الاشارة.. وعلامة ارسال السارد اشارة زحف الناس الى الشوارع تمثل ذروة الحدث في تلقي الخبر – الصدمة "شاع خبر موت عبدالمنعم ياقوت" "من هو عبدالمنعم ياقوت؟ وكيف يكون؟ يحيا في الضمير السري لهؤلاء الناس, لم يكونوا يتحدثون حول هذا السر, يتحاشون الكلام عنه, عيونهم تبحث عن جثة عبدالمنعم ياقوت, يقولون أنها ملقاة وسط ميدان جاكسون"(5) ستبصر السارد الرؤية الكاملة في تبصير المسرود له, ان الضمير السري للمجموع في تجلياته يسكنه "ياقوت" يعشعش في هذا الضمير فيزعزعه يمتلكه, مات, ولكنهم تقودهم الشائعة الى حيث اللا مكان واللا زمان, تمشي بينهم الشائعة, حتى أتاهم هدهد المدينة بالنبأ, الجثة ملقاة في ميدان "جاكسون" "لقد تولدت الحداثة تاريخياً من التفاعل أو التصادم بين عقليتين في مناخ من تغير الحياة, ونشأة ظروف أوضاع جديد" (6) "سرت الشائعة وعمت المدن الثلاث, الخرطوم, الخرطوم بحري, ام درمان وأريافها, وصدحت أناشيد وأغان حزينة, كانت تتدفق, وتحوم فوق سماوات المدن, كالهمس" تتجاذب السارد, الشائعة, وتقذفه في لجتها يرسم ملامحها بعناية, "عمت كل المدن" المكونة للعاصمة المثلثة, الخرطوم والخرطوم بحري, وام درمان وأريافها هي المدينة التي يحبها السارد, أضاف اليها "أريافها" اشارة دالة على ان الحكي في جوهره وفلسفته وفكره, محاولة رسم صورة لمجتمع أصابه ما أصابه, بؤرة الضوء ملتقى الثقافة, تحمل معها في صورتها الجديدة ما يحيط بها "أريافها" يستدعى "عيسى الحلو" أحداث عودة زعيم ومقتله, وما أصاب المدينة من رعب, ونار, وقتل, وثأر بلا ثأر, ما أصابها من حزن, عوقبت عليه بالحرق والكسر والقتل, والنهب, أبرياء, حرقوا جهراً, عمداً في داخل "ورشة".. شائعة مقتل زعيم قبلي "جنوبي" أغلقت المحلات العامة, وقالت المواصلات "هيت لك" ظهر على الشاشة الزعيم, نفى بلسانه ونفى المترجم بلسان, ونفى المذيع بلسان, كان كل لسان يمثل المدن الثلاث في تغييراتها وتبدلاتها وأوجاعها, وإرغامها على السمع والنظر والصمت.. "دونما صوت أو دموع ذاك البكاء الذي يتحول الى شوارع وبيوت وذكريات وأشواق تتشابك علاقات العشق والانتقام والثأر"(7)
"كان عبدالمنعم ياقوت ممداً, جسده متصلب, كما لو كان مصنوعاً من الرخام النقي, جسد مسجى, منتظم الخطوط, فهي تستقيم هنا, وتستدير هناك, كأنه تمثالاً منحوتاً باتقان عال, نحته مايكل انجلو"(8)
يختط "الحلو لوحة "ياقوت" على قلادة منحوتة بالخوف والكبت والحرمان, تستقيم على منهاج يرضيها, ومتكلمة السلطان, رجرجة الفعل, سوقة العمل والحياة.. "جسد مسجى" "منتظم الخطوط" وكان حضوره يغمرهم بالانشغال والهواجس والأحلام تسيطران عليهم.. والسؤال يمتزج بانطباعاتهم اليومية, يتسقطون أخباره, صورته الذهنية من صنع خيالهم المنعكس من الكبت.

 

 


"كانت الجثة تتمدد في كل الاتجاهات تنتشر في كل الساحات, في المدن الثلاث والناس يراقبونها, وهم من فوق الأشجار معلقين كالطيور, والجثة ترتفع من على الأرض, وتهم بالطيران الى أعلى, تكاد تملأ الأرض والسماء.. أهو حقاً مات, ومن الذي قتله, ولماذا قتله؟ وقبل هذا أو ذاك من هو عبدالمنعم ياقوت"(9)
تتمدد داخل الذاكرة الجمعية صورة القاهر, في كل اتجاهات الناس, في الساحات, في البيوت, في أماكن العمل, في المركبات العامة, في مباريات كرة القدم, وفي لقاء الأحباء على الرمال والشواطيء ودور السينما, تتمدد جثة ياقوت لانها لم تخرج من روحهم, لم تخرج من التفكير, هو فكرة مضللة, استوطنت في التربة الخصيبة وارتوت من الطحالب الخضراء والصفراء والحمراء, وكل لون له خاصيته فالخضراء, عنوان أول للعقل الغافل الذي يحيط به الجهل والصفراء عنوان ثاني للانحطاط الخلقي الممتزج بالدهاء والذكاء والحمراء عنوان أخير للروح السافلة, المتسافلة التي لا تستطيع العيش إلا بالنكد, والأيذاء نفسياً وجسدياً هذه "المازوخية" هي قياد ياقوت, ومن قتله لم يقتل؟ فقد ترك الأرواح داخل جثته, وترك جثته داخل هذه الأرواح..
تقول الدكتورة مريم فرانسيس في كتابها "في بناء النص ودلالته – ص 76 "وفي النصوص الحديثة تستعمل الإحالات الى المراجع مثل أنظر راجع, وقد لا يغيب الإفصاح الصريح في الأعمال الأدبية وان تعذر فعله في متن النص, وبالوسائل التي تتوفر للنص العلمي, فالمقدمات التي تحفل بها هذه النصوص والحواشي التي تلحق بها شديدة التعبير في هذا المجال"(10)
لا يقول لك السارد الرائي في رواية الورد وكوابيس الليل, أنظر أو راجع فالمتن خيال والحاشية ما يتحاشاه القاريء, والظنون تحيط به من هو "عبدالمنعم ياقوت" الذي تتمدد جثته ويقول لك السارد, هل حقاً مات, هذا السؤال الصريح لا ينتهي, إلا بالطيران طيران الجثة – الفكرة – الاضمحلال العام – القهر – الكبت – العنف – الى كل الاتجاهات – الناس يراقبونها ومن فوق الأشجار – ترتفع عن الأرض – تكاد تملأ الأرض – أحقاً مات. "وبيت ياقوت مبنى على الطراز الحديث, أبيض له نوافذ رمادية, يبدو من الخارج كصندوق, هو يعيش بمفرده بعيداً عن الناس, انطوائي, يكتب قصاصات صغيرة "مذكرات من الورق, أوامره وتعليماته فيما يخص ادارتي لمنزله, وطوال هذه المدة لم يزره زائر.. قال سعيد: ربما كان له زوار.. بعد تركك العمل, قالت رقية: ربما ولكنني لم أره هو شخصياً مطلقاً"..

 

 

 


يعمل السارد في منزل ياقوت, "الانطوائي" والذي لم يزره زائر ولم يره "السارد" مطلقاً.. يستخدم "الحلو" اسلوب المتاهة سردياً في رسم معالم السيرة الذاتية, اذ يلتقى في التفسير مع السيطرة, والانطوائية غياب الملامح حتى ممن يعيش معه في المنزل "لم أره مطلقاً" إلا جثة ممدودة, تطير الى الأعلى, "قالت: هل ترى ان هذا العالم تسيره المصادفة والأحداث العشوائية, او تعتقد انه ينطوي على مبدأ عقلي ما؟ قلت: حاشاي ان اعتقد ان احداثاً على هذا الاطراد المنتظم يمكن أن تأتي وليدة المصادفة والاتفاق"(11) لم تك مصادفة تمدد جثة ياقوت داخل حيزها المكاني "ميدان جاكسون" والنفسي "كل الاتجاهات" والعقلي "الطيران الى أعلى" اذ تسيطر روحه باساليبها الواضحة والسرية الخافية على الجمع الغافل واللاهي, الباحث عن حريته بسجن نفسه داخل "قوقعة" تخرج رسائلها السلطوية, في كل حين, باختلاف الأحداث كذباً ثم تصدقها "في بيت ياقوت, عند الركن الشرقي للصالة, هنالك مكتبة ضخمة, وضعت فوقها مجلات ومجلدات من الصحف تحكي عن حقب زمانية مختلفة حقب متداخلة.. هنا موقعة كرري.. وهنا سقوط الخرطوم ومقتل غردون.. وهنا ضربت طائرات الميج الجزيرة أبا.. تشييع جثمان القرشي من ميدان بالخرطوم, اعدام محمود محمد طه, اعدام عبدالخالق محجوب, مقتل الهادي المهدي عند الكرمك, انشقاق الجبهة الاسلامية.. موت قرنق, انفصال الجنوب, هجليج وحريق البترول, وهناك حاسوب دونت عليه أحوال المدينة وشئونها اليومية"(12)
يقول ابن خلدون "عن تسمية كتاب العبر, ولما كان مشتملاً على أخبار العرب والبربر, من أهل المدن والوبر, والالماع بمن عاصرهم من الدول الكبر, وأفصح بالذكرى والعبر في مبتدأ الأحوال وما بعدها الخبر سميته كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر, ولم أترك شيئاً في أولية الأجيال والدول, وتعاصر الأمم الأول, وأسباب التصرف والحول في القرون الحالية والملل, وما يعرض في العمران من دولة وملة ومدينة وحلة وعزة وذلة, وكثرة وقلة, وعلم وصناعة وكسب واضاعة واحوال متقلبة مشاعة وبدو وحضر, وواقع ومنتظر"(13) "ظهرت مدينة الخرطوم بعد الفتح التركي المصري بسنوات قليلة, والامام المهدي بعد أن احتل الخرطوم ذهب الى منطقة ام درمان, واختارها والخرطوم بحري جاءت مع الحكم الثنائي, وبعد معركة كرري جاء الانجليز ليعمروا مدينة الخرطوم التي خططت لاستيعاب الاوروبيين والاداريين ووفدت جماعات من السودانيين واستقروا بها" فوق مكتبة عبدالمنعم ياقوت يرقد التاريخ, وكل العبر التي يستلهم السارد مأساويتها في محاولة لمعرفة التاريخ, كيف ينظر اليه المددة جثته في ميدان جاكسون, "ان أحظى الناس بالتبجيل والتوقير هو أفضلهم, فالجلال والرفعة ليسا بالشيء الهمل وبلوغهما يكدح اليه كل البشر, السلطة ايضاً ينبغي ان تعد ضمن الأشياء الخيرة, فمن ذا الذي يقول ان الشيء الذي يسلم الجميع بأنه أعلى الأشياء قاطبة هو شيء هين أو واه, والشهرة كذلك لا يمكن إغفال قيمتها"(15)