ليلة تكلم فيها البحر...

ليلة تكلم فيها البحر... اسيا رحاحلية المدينة نائمة في حضن الليل...والصمت يغلّف المكان..لا يُسمع سوى وقع خطواته على إسفلت الشارع..كلما تقدّم أكثر ضاعف من السرعة..يجب أن يصل في الموعد المتفق عليه..أيُ تأخر سوف يخلط أوراق العملية..و ربما يصعّب الأمور ..أشاح بوجهه في حركة سريعة , خاطفة كأنما يطرد من رأسه فكرة ..لا ..ليس الآن..لم يعد هناك مجالٌ لذلك..قُضي الأمر..ليس عليه الآن سوى أن يتقدّم ..كل العراقيل أطاح بها على جانبي الطريق..لن يسمح لمجرد فكرة عابرة بأن تتمكّن من عزيمته .

ليلة تكلم فيها البحر...

ليلة تكلم فيها البحر...

اسيا رحاحلية


المدينة نائمة في حضن الليل...والصمت يغلّف المكان..لا يُسمع سوى وقع خطواته على إسفلت الشارع..كلما تقدّم أكثر ضاعف من السرعة..يجب أن يصل في الموعد المتفق عليه..أيُ تأخر سوف يخلط أوراق العملية..و ربما يصعّب الأمور ..أشاح بوجهه في حركة سريعة , خاطفة كأنما يطرد من رأسه فكرة ..لا ..ليس الآن..لم يعد هناك مجالٌ لذلك..قُضي الأمر..ليس عليه الآن سوى أن يتقدّم ..كل العراقيل أطاح بها على جانبي الطريق..لن يسمح لمجرد فكرة عابرة بأن تتمكّن من عزيمته .
" فكّر كما تشاء قبل أن تقرّر ..و لكن حين تأخذ قرارك..توقف عن التفكير ..و انطلق.."..غريب و لكن هذا كل ما علق في ذهنه من أيام الثانوية.. إبراهيم ..أستاذ الفلسفة .. المفضّل لديه..عندما تأتي حصّته يتوقف عن المشاكسة و العبث و يتحوّل فجأة إلى طالب مهذّب كله آذان صاغية ..مسار ملغّمٌ بالخيبة و المعاناة يفصله عن تلك الحقبة الآن و لكن صوت أستاذه إبراهيم لا يزال يرنّ في أذنه ..
صحيح..لم يكن القرار سهلا..و لكن ما الذي تخشى أن تفقده حين لا تملك شيئا ؟
وصل بمحاذاة الشاطئ ..البحر ساكن تماما ..بدا له البحر غريبا ..كأنما ليس هو نفسه الذي يراه نهارا..كأنما يريد أن يقول له شيئا..
سرت في جسده قشعريرة ..هل هو البرد أم الخوف؟ أخرج هاتفه النقال..أضاء به المكان.. مدّ بصره بعيدا إلى هناك حيث يلتقي سواد الماء بسواد السماء ..القمر غائب و الجو ملائم تماما.. حالة الطقس ستكون مستقرّة لمدة ثلاثة أيام ....العتاد جديد و الزورق متين.. لذلك كان المبلغ كبيرا....لا بأس..يومان أو ثلاثة و يخرج إلى الأبد من الظلمة إلى حيث النور..إلى حيث الحياة..مع قليل من الحظ و دعوات أمه سوف ينجح الأمر..
" أمي..سامحيني....سوف أتّصل بك من هناك..لا تنسيني بالدعاء. لن أغيب طويلا . "
ترك الورقة فوق طاولة المطبخ ..
تحسّس الجيب الداخلي لمعطفه..الصورة هنا..لا ..الصورتان ..الأولى.. بعثر كل أوراقه في الغرفة إلى أن عثر عليها.. أُخذت لهم في يوم عيد..أمه وأخته الكبرى و هو في وسط الصورة يحتضن أخاه المعاق..من أجله أيضا اتخذ قراره.." حين أستقرُ هناك ..سوف أستقدمه ليعالج مهما كلّفني الأمر..ستكون أحوالي أفضل فأنا أحمل شهادة جامعية "..
شهادة في المحاسبة.. أشهر قليلة بعد التخرّج..حين يئس من العثور على عمل.. شمّر على ذراعيه ليشتغل مساعدا للسيد منصور في متاجره الضخمة و لمدّة سنتين جمع خلالهما مصاريف .. الحلم ..
و الصورة الثانية..لها..هي.." أحبك كثيرا.. لدرجة أني لا أرضى أن يكون أقصى ما أمنحه لك .. غرفة ضيّقة في شقتنا البائسة ..عديني أن تنتظريني "..لا يدري إن كانت الابتسامة وعد ا..
' فريد' ابن الجيران..مكث هناك ست سنوات و حين رجع بني مسكنا كأنه القصر و فتح متجرا كبيرا ..و تزوّج من الفتاة التي أحبّها ..ستُ سنوات فقط..!!
نظر في الساعة.. ربع ساعة و يكون الجميع هنا ..القائد– صاحب الزورق – و المرشد..والعشرة الآخرون ..أربعة منهم يعرفهم من أيام المدرسة..الآخرون لا يدري من يكونون ..ليسوا من مدينته .. " أكيد..هم من نفس جنسي..جنس الضائعين..الذين لم تبق لهم سوى معركة واحدة أخيرة فاصلة.. إنما..مع البحر. "
مدّ يده إلى جيب الحقيبة فوق ظهره..أخرج مصحفا صغيرا في غلاف جلدي أسود..حضنه بين يديه..ثم رفعه إلى شفتيه.. قبّله ..و أعاده إلى مكانه ..
وقع أقدام و أصوات مبهمة تقترب..حضر الجميع ..تبادلوا التحية..اتجهوا يسارا حيث يقبع الزورق..
رغم الهدير الذي أحدثه المحرّك إلا أنه خيّل إليه أن البحر يتكلّم بصوت أعلى ..لم يفقه شيئا ..أحكم المعطف على صدره ..انكمش وسط رفاق الحلم..رفع رأسه إلى السماء و راح يتمتم .