إعدام مريم

إعدام مريم  صلاح سرالختم  وقفت علي منصة الإعدام باقدام نحيلة وجسد ضئيل  ، تفرست فيمن حولها، وجوه عساكر السجن بزيهم الباهت الذي يذكر بظلمة القبر المنتظرة، الطبيب الواقف بجوار المأمور في انتظار جثتها لكتابة تقرير الوفاة واللحاق بمباراة كرة قدم، النساء والرجال المتحلقين حول المكان في انتظار لحظة الإعدام ومشاعر اللامبالاة المرتسمة علي وجوههم ،الاطفال الحفاة شبه العراة الواقفين في الساحة، الجدار المشيد من الطين الأخضر ، الحمام فوق اشجار النيم القريبة، السماء الصافية الجميلة التى لن تراها ثانية، لم يكن في الحاضرين  أحد من ذويها فقد رأت الحكومة لسبب ما ان ينفذ حكم اعدامها في مدينة بعيدة عن مدينتها، مدينة لم تغبر اقدامها في شوارعها وجئ بها مغلولة الأيدي لينفذ حكم الاعدام عليها فيها وربما لتدفن فيها،من يصدق كل ماجري؟ من يصدق انها لم تقتل احدا  ولم ترتكب جرما يبرر إعدامها؟ من يصدق ان جريمتها التى اوقفتها تحت اعواد المقصلة هى الاحتفال بخروج بنتها من السجن!!! مجرد احتفال تداعى اليه الناس ، غنوا ورقصوا وابتهجوا، فجاءت الشرطة واقتادتها وحاكموها بتهمة خطيرة تقول انها تدير مكانا اجتمع فيه رجال ونساء للمارسة اعمال فاحشة ثم اضافوا الي التهمة وقائع من حياتها البائسة فقالوا ان ابنتيها سبق لهن الحمل سفاحا مما يؤكد صحة تهمتهم الخطيرة! 

إعدام مريم

إعدام مريم

 صلاح سرالختم 

 

وقفت علي منصة الإعدام باقدام نحيلة وجسد ضئيل  ، تفرست فيمن حولها، وجوه عساكر السجن بزيهم الباهت الذي يذكر بظلمة القبر المنتظرة، الطبيب الواقف بجوار المأمور في انتظار جثتها لكتابة تقرير الوفاة واللحاق بمباراة كرة قدم، النساء والرجال المتحلقين حول المكان في انتظار لحظة الإعدام ومشاعر اللامبالاة المرتسمة علي وجوههم ،الاطفال الحفاة شبه العراة الواقفين في الساحة، الجدار المشيد من الطين الأخضر ، الحمام فوق اشجار النيم القريبة، السماء الصافية الجميلة التى لن تراها ثانية، لم يكن في الحاضرين  أحد من ذويها فقد رأت الحكومة لسبب ما ان ينفذ حكم اعدامها في مدينة بعيدة عن مدينتها، مدينة لم تغبر اقدامها في شوارعها وجئ بها مغلولة الأيدي لينفذ حكم الاعدام عليها فيها وربما لتدفن فيها،من يصدق كل ماجري؟ من يصدق انها لم تقتل احدا  ولم ترتكب جرما يبرر إعدامها؟ من يصدق ان جريمتها التى اوقفتها تحت اعواد المقصلة هى الاحتفال بخروج بنتها من السجن!!! مجرد احتفال تداعى اليه الناس ، غنوا ورقصوا وابتهجوا، فجاءت الشرطة واقتادتها وحاكموها بتهمة خطيرة تقول انها تدير مكانا اجتمع فيه رجال ونساء للمارسة اعمال فاحشة ثم اضافوا الي التهمة وقائع من حياتها البائسة فقالوا ان ابنتيها سبق لهن الحمل سفاحا مما يؤكد صحة تهمتهم الخطيرة! 
لم تكترث كثيرا في البدء حين قبضوا عليها و لم تكترث كثيرا لاسئلة المحقق وهو ينقض عليها كما ينقض صقر جائع علي فريسة بائسة لاحول لها ولاقوة، ولم تكترث كثيرا حين تهلل وجهه حين اجابت علي سؤاله عن الشخص الذي دعا حضور الحفل فقالت انها دعت البعض وحضر اغلبهم من تلقاء نفسه للمجاملة وحين سألها ماذا كانوا يفعلون ردت عليه بغير اكتراث:(ماكنت تفعله ياهجام وما نفعله طوال عمرنا في هذا البلد في هذا المناسبات، نرقص ونستمع للغناء ونتبادل التحايا، هل شاهدت شيئا آخرا وانت في وسط الدارة ياهجام؟) لاذ المحقق بالصمت قليلا ، ثم واصل اسئلته الكثيرة وهى تجيب وهو يكتب . ولم تكترث حين وقفت امام ذلك القاضي الغاضب بلاسبب ظاهر، لم تزعجها لهجته الحادة معها ولا اسئلته الكثيرة عن بنتيها وعما كان الناس يفعلون في بيتها، ولم تدرك سبب غضبه الشديد حين قالت ببساطة ان الحفل كان في الشارع العام وليس في بيتها، بدا كأنه طفل انتزعت منه دميته الأثيرة، استشاط غضبا وهو ينتهرها ويقول لها انها دعت الناس الي بيتها وليس الشارع. وتتذكر الآن كيف انها ضحكت في وجهه حين قال لها انه حكم عليها بالاعدام وقالت له ببساطة( الإعدام ؟ في شنو ياقاضي؟ الكتل الروح مابكتلوهو مرات، سويت شنو انى؟) انتهرها القاضي بحزم وأمر بإخراجها وبناتها الثاكلات من القاعة. بعد خمسة عشر يوما من ذلك اليوم اخذوها من حراستها مغلولة وجئ بها الي سجن الخير خنقا بمدينة الفاشر البعيدة لتنفيذ الاعدام . كانت لاتزال مذهولة وغير مصدقة ان اتيانها فعلا ظلت تأتيه هي واهلها طوال حياتهم يمكن ان يقود الي حبل المشنقة، كانت  تظن انه كابوس عابر، لكنه لم يكن كذلك، وهاهي الان قد ادت صلاتها الأخيرة وقالت وصيتها لمأمور السجن وتهيأتللذهاب في رحلتها الاخيرة، لم تترنح كما يفعل محكومى الاعدام في تلك اللحظات ، ولم تجر رجليها جراً، بل سارت وسط الجنود بخطوات واثقة واعصاب هادئة وهى تردد شعرا حماسيا كن يغنينه للمقاتلين في حروب القبيلة في موطنها، لم تكن تظن ابدا ان يأتى يوم تزف نفسها به الي الموت كما كانت تفعل مع فرسان القبيلة،حين اقتربوا من المنصة، نظرت حولهانظرةطويلةكأنها تريد ان تختزن آخر المشاهد ثم صعدت الي المشنقة ، وقفت بشحاعة ،أغمضت عينيها ونطقت بالشهادتين بصوت مبحوح بالكاد يسمع ، وتهيأت للنهاية، جاءها صوت المأموروهو يتلو منطوق الحكم الصادر بحقها وتلك آخر خطوة قبل التنفيذ وفجأة سكت الصوت، بدأت تسمع همهمة خافتة وهمسا، بعد لحظات بدت دهرا
انزلت من المنصة، قيل لها ان التنفيذ تم تأجيله لسبب ما، فتحت عينيها ونظرت في الجمع الغفير، لمحت فرحا في بعض الوجوه وخيبة أمل ظاهرة في بعضها، استدارت ومضت الي الأمام  ، ولم تعد أبدا الي ذلك المكان، كان من لطف الله بها ان المأمور وجد خطأ في صيغة الحكم فأوقف التنفيذ وغيض الله لها قاضيا له ضمير حى اعاد النظر في محاكمتها  وانتهى الي تقرير بطلان حكمها وبراءتها، ظلت تتساءل دوما في سرها( ماذا لو فات علي المأمور ملاحظة الخطأ وماذا لو لم يوجد الخطأ؟)وحين سألها حفيدها السؤال نفسه بعد عدة سنوات  ضحكت حتى بانت فجوة فمها الخاوي من الأسنان وقالت له (النوم تعال ...النوم تعال سكت الجهال) فنام في حجرها مبتسماً.