في ذكرى الغابة والصحراء ٢_٢. *عامر محمد أحمد حسين..

في ذكرى الغابة والصحراء ٢_٢. *عامر محمد أحمد حسين..

في ذكرى الغابة والصحراء ٢_٢.
*عامر محمد أحمد حسين..
ثمة نقاط تظهر على شكل تقاطعات بين من يفترض تأسيسهم لهذا التيار. ولربما غالبت الأيام رماتها فتفرقوا أيدي سبأ بين شعاب الفكر والبحث عن اليقين والذات .إشارات قليلة في كتاب "في ذكرى الغابة والصحراء "عن هذه الخلافات، او بلغة التحديد نفي الانتماء ،كمقدمة لتطور ذاتي، او فكري او عدم جدوي الاستمرار فيما لافائدة منه للخاص والعام بالنسبة للمطروح، وتسميته بتيار الغابة والصحراء ، وإشارة الشاعر" الاستاذ  محمد المكي إبراهيم"  ترتبط بأسمان بارزان ،ومؤثران ،في الماضي، والحاضر والمستقبل، في الأدب السوداني والتفكير النقدي بالنسبة لكليهما الأستاذ" الدكتور عبدالله علي إبراهيم "والراحل الدكتور" محمد عبدالحي "والفكر السياسي لإبراهيم. ولاتبدو في الصورة تنازعات ونزاعات، تخرجهما ،عبدالحي، وعبدالله من بعض مايمكن استشفافه ،من عموميات ،طرح الغابة والصحراء. وسؤال المدرسة، يشير إلى قنديل يضئ مرحلة من مراحل التراكم معرفياً، وإن الجدل حول ذلك يسمح لنا، بقبول ماتراكم ونسبته إلى فكرة الغابة والصحراء ،وتأثيره على الأجيال اللاحقة وليست المعاصرة، لإنطلاق الفكرة ورواجها . وان كل  منتسب يفهم مايليه شاملاً ،ومشمولاً، بالشرح كتابة، والسماع شفاهة ،والإرث المتداول، في كل مرحلة ،ومامكث منه في الأرض .والمدرسة في تعريفها حيث   يشير مصطلح المدارس الادبية الى" مجموعة من المبادئ الجمالية والفكرية والاخلاقية، تشكل في مجموعها لدى شعب من الشعوب او لدى مجموعة شعوب في فترة معينة من الزمن تيارا يصبغ  النتاج الادبي والفني بسمات فنية واضحة_ ويكيبيديا "١" وسنمضي في قراءة كتاب "في ذكرى الغابة والصحراء" ليس لتعريف المدرسة، وسنأخذ بشهادة صاحب الفكرة، وقراءاته لشهادات، تمثل رد الفعل تجاه مواقف، لم يستبطها او كانت صدمة بالنسبة له، والإشارة للدكتور عبدالحي والدكتور عبدالله علي إبراهيم . يقول الشاعر محمد المكي إبراهيم "هناك من يقول لك انت راغب في الهروب من مقدسات المجتمع السوداني وتريد ان تتحلل من التقاليد هاربا إلى مجتمع إفريقي بلاخلق ولا اخلاق.انت ضحية قراءاتك للمستشرقين البريطانيين الذين أوحوا إليك ان في السودان أقواماً ليسوا من العرب وان أنسابنا الصحيحة هي انساب منتحلةوكل ذلك كلام استعماريين ،بمثل هذه المعاني فاه صديقنا الدكتور عبدالله علي إبراهيم  وذلك انه في حرصه على نشر كامل تراثه وتكبير كومه اعاد نشر مقالة قديمة عفى عليها الزمن هي مقالته الموسومة(الآفروعروبية : تحالف الهاربين) وسنعود إليها بعد حين لنوضح كيف أصبح صديقنا القديم في طليعة الهاربين إلى الجنةالأمريكية حيث لازال يقيم"."٢". للأستاذ الدكتور عبدالله علي إبراهيم كتابات واضحة في الهوية وغيرها ولأن المجال متصل بكتاب الاستاذ ودالمك،ي وذكرى غابة وصحراء ،فإن الهروب المتحالف مع يقينيات متحولة كما اظهر ذلك الاستاذ ودالمكي في غضبته على صديقه القديم وإتهامه بالهروب إلى الجنة الامريكية يشير إلى أن الخلاف حول الدور الذي لعبته الغابة والصحراء تحول إلى مصائر من انتقد الفكرة وليس إلى تأثيرها في ساحات الفكر ، ولا اعتقد ان الصورة كذلك مهما بلغ الاختلاف وذاع. وهنا ايضاً ياتي السؤال عن  المشروع " غابة وصحراء " ومرتكزاته الادبية والفكرية .وبنظرة إلى المآلات، واسترداد ذاكرة الذكرى، تبدو لنا حالة مغايرة تماماً لما ارادته الغابة والصحراء ،وكذلك لمقولات كانت مضادة لها في الماضي والحاضر.لقد شهد السودان على مدى تأريخ دولة الاستقلال، حروباً اهلية طاحنة ،وصلت ذروتها في نصف قرن من الحرب بين الشمال والجنوب وهناك إشارة دالة على ان الفكرة التي طرحت في برنامج الغابة والصحراء ،قد استقامت وهي تعلن عن موقفها من الهوية الثقافية كمقدمة للهوية السياسية وهي بالتالي تناطح واقعاً ايديولوجياً صعباً في مقام الصراع حول كيفية تكوين الدولة ،وتحالفاتها المجتمعية بين المدينة والحضر ،والمدني والعسكري ولعل اقسى لحظة يعيشها المثقف عندما يجد نفسه مسلوب الإرادة، او مشارك في واقع مفروض عليه ومفروض عليه التعامل معه، فتنشأ في دواخله التنازعات ،ويلجأ إلى الشرح، او التبرير ،اوالهروب كمرجعية للتراجع عن الانغماس في واقع مأزوم


*تحالف وعودة..
يظل الدكتور محمد عبدالحي في كتاباته وصوره الشعرية ،أحد ابرز النماذج لتتبع آثار الغابة والصحراء في حركة الشعر السوداني الحديث ،ومقولاته الخطابية. و تجد في قراءاته للموقع الثقافي السوداني ،في خارطة الجغرافية ،والمحيط ابعاداً واضحة جلية ،تبين تأثيراته في حركة الشعر وبصمته  الخاصة، وهو بالتالي قياس واضح يمكن من خلاله العودة إلى سنار _اللغة_الهوية_المصير. وتمثيل الفكرة وتطبيقها، على أرض الواقع .ولعل ما اراه هنا قد يراه نقاد، ويتمثلونه في حجاج من يرى بأن لاهوية ولامشترك بين غابة وصحراء. ومع ذلك هناك غموض مغلف بالسياسة في تتبع آثار سنار _الدولة_السلطة الأنموذج _إذ لم تبارح اللحظة التاريخية _في إعلان تحالف قيام الدولة ،ومن بعد ذلك صراعات قبلية مميتة، وعنف اعقبه عنف اهوج مثلته الدولة العثمانية. إشارات عديدة في الكتاب توضح علاقة محمد عبدالحي بالغابة والصحراء منذ اللقاء الأول وتطور الفكرة من المرحلة الأولى  إلى شجرة بها ثمار، تتحول إلى تبني او رفض لها ،ومابين الرفض والقبول، تبرز حلقات، وكل حلقة، تقود الى الاخرى، وسطوع شمس حالة شد وجذب .يقول الأستاذ محمد المكي إبراهيم " في صباح أحد أيام أغسطس ١٩٦٣ نقر باب غرفتي اثنان من الشباب راح احدهما (يوسف عيدابي) يقدم نفسه ورفيقه: نحن شاعران ونريد ان نتعرف بك ونقرأ لك .انا عيدابي من كلية الحقوق وهذا صديقي محمد عبدالحي وهو حالياً في كلية العلوم ويسعى في هجرها إلى كلية الآداب.كانا يتمتعان بوسامة هائلة وكان ليوسف اسلوب في الحديث يقطر براءة ومرحا حقيقيا يحببه إلى القلوب .وكان محمد قليل الكلام يغوص في صمت متأمل وفبما بعد وجدت لديه انفجارات من المرح ولكن ليس معي شخصياً فقد كان يعاملني بتوقير كبير وكانت علاقته بي شبيهة بعلاقتي مع النور عثمان ابكر الذي كنت اتطلع إليه باحترام ونوع من التتلمذ في بداية تعارفنا"."٢". ويستمر ودالمكي في سردية مهمة حول اكفاء من جيل حولوا صداقتهم إلى ذاكرة معرفة ومحاولة اكتشاف لمشروع ثقافي يغلق باب اسئلة لجيل عاش (٦) سنوات فقط بعد الاستقلال .وحاصرته السياسة وتغيير نظام الحكم من ديمقراطية ليبرالية إلى شمولية عسكرية. ويضيف الأستاذ محمد المكي إبراهيم " تعرضت مجموعتنا لهزة قوية حين تركنا يوسف مغادراً السودان للدراسة بالخارج حيث بقي إلى ان نال درجة الدكتوراة وفي غيابه توثقت علاقتي  بمحمد بشكل كبير .وفي واحد من إضرابات الجامعة اقفلوا الجامعة وطلبوا منا مغادرة الداخليات إلى حين اشعار آخر .وكان متوقعاً ان لايستغرق ذلك طويل زمان فدعاني محمد للبقاء معه في بيت جدته(لها الرحمة والغفران) بدلاً من السفر إلى مدني في( حالته) والأبيض في (حالتي) ولقد تأخر فتح الجامعة أكثر مماتوقعنا وامتدت أقامتنا عند جدته المبرورة إلى قريب من الشهر وكان ذلك الشهر هو الميلاد الحقيقي لتيار الغابة والصحراء فقد رويت لمحمد طرفاً من تجربتي الألمانية وأطلعته على الآثار الباقية لتلك.التجربة فوجدت منه تجاوباً كبيرا إذ استطاع ان يرى بعين الشاعر عذابات الهوية"(٤)
*عودة عبدالحي ورؤية النور عثمان ابكر..
يقول الأستاذ محمد المكي إبراهيم "بينما كنت أجاهد متنقلا بين المادة الخام  لذلك البحث(في الفكر السوداني) وإعداد مخطوطته الأولى كان محمد عبدالحي ينغمس في إعداد واحد من اهم اعماله وأحقها بالخلود فقد كان يكتب قصيدته الكبرى عن"العودة إلى سنار" وماكادت عطلتنا الإجبارية تنتهي حتى كان محمد قد فرغ من مسودتها الأولى وظني انه عكف عليها بالتعديل والتحوير  .وبفضل وقفته الطويلة امام السلطنة الزرقاء اكد محمد عبدالحي،على عصر الفونج في السوداني بصورة اوضح كثيراً من تحليلاتي في"الفكر السوداني " كتاب في ذكرى الغابة والصحراء ص٧٨_٧٩". (٥)ويقول محمد المكي إبراهيم " وليس عيباً ان يأخذ الإنسان علمه من الكتب ولكن التاكيد يبلغ بالبعض أن يظنوا ان كل معلومات الدنيا محفوظة في دفتي كتاب .ولو كان الأمر كذلك ،أي لوكان العلم مدوناً مسجلاً لأستحال التأليف ولتوقف الإنتاج الفكري. وأمثال المستشرق فلان لوبعثوا مرة أخرى او جاء إخلافهم لطلبوا علمهم منا نحن أبناء البلاد ولسألونا عن أصل تلك القبيلة أو هذه فأفادوا علماً غزيراً.لقد تلقينا تأبينا عنيفا في هذه النقطة .فالشاعر محمد عبدالحي ذو السحنة العربية قيل له مراراً وتكراراً انت من البيضان ،فما شأنك بهذه الزمرة من المتأفرقين .وبعد أعوام قليلة كان ينكر على رؤوس الأشهاد وجود "مدرسة" فنية اسمها الغابة والصحراء  ولكن مطولة "العودة إلى سنار " أحتفظت له بمقعده دافئا في نفس الزمرة التي أريد له ان يتخلى عنها. وهوجم النور عثمان بأصوله الإفريقية وفي الدفاع عن نفسه كتب مقاله الشهير "لست عربياً ولكن" ولم أسلم شخصيا من الأذى " ويضيف ود المكي" في بداية امرنا كنا نريد للنور عثمان أن يؤدي دوراً من ذلك القبيل وكنا نريده رمزا لتيار الغابة والصحراء بحكم انه الأكبر سنا بيننا ولكن ظروفه الحياتية فرضت عليه حصاراً ما وأقعدته عن الكتابة لدهر طويل وحصرت مساهمته في مقاله الوحيد"لست عربياً ولكن " وأسوأ من ذلك انه راح يدعي لنفسه دوراً اكبر مما له محاولاً إقصاء الآخرين بتأكيداته المتلاحقة بانه مبتكر تسمية الغابة والصحراء وهي حقيقة ولكن تأسيس التيارات الفنية لايكون بأطلاق التسميات وإنما بالحفر الجاد والمستمر واكتساب الاصحاب والاصدقاء  ليقوموا بتعميق التيار وحفر مجراه  وحفر مجراه ويبدو لي ان ذلك مما احدث ضجرا لعبدالحي وجعله يعلن عدم وجود مدرسة فنية اسمها الغابة والصحراء وهو أيضا  من أسباب قعودي عن الدفاع عنها ضد مهاجميها ومنتقديها".(٦)
في ذكرى الغابة..
يقول الأستاذ محمد المكي إبراهيم " ليس لتيار الغابة والصحراء أي فضل في خلق الثقافة السودانية فهي حقيقة وجودية سابقة تدين بوجودها للثقافة السودانية بحكم انها مجرد توصيف لما هو كائن في الثقافة"(٧)
لقد كان الأستاذ محمد المكي إبراهيم في هذا  الكتاب صريحاً وواضحاً في تبيان حجته ووضع تاريخ لفكرة كانت متقدمة في العمل الجاد في مسائل الهوية والجغرافية والمكونات الثقافية والاجتماعية وكانت لها بصمة واضحة في نتاجات ادبية وفكرية أرادت ان تضع امامها إطاراً فكريا يقرأ الواقع الثقافي والاجتماعي ومهما كانت النتائج  ومصائر الشخوص داخل هذا المسار الادبي فإن الغابة والصحراء ستظل مساهمة كبيرة جدا في طريق البحث عن المكان السوداني ثقافياً وفكرياً واجتماعياً..
   *المراجع_الجزء الثاني..
كتاب في ذكرى الغابة والصحراء محمد المكي إبراهيم ..مرجع سابق..تاريخ النشر ٢٠٠٧م.