العاطفة والاتّساع ومعارج أخرى... في مجموعة "سمكة اللّغة" للشاعر الجزائري "محمّد قسط"...

العاطفة والاتّساع ومعارج أخرى... في مجموعة "سمكة اللّغة" للشاعر الجزائري "محمّد قسط"... حسناء بن نويوة.. الجزائر  كثيرًا ما أجدني أقرأ الشّعر بعناية فائقة وأعود إليه مرّات كثيرة لأقتنص سِماته الوجدانية العالية، وأتحسّس دفقاته العذبة ولحظاته الهاربة، وكذلك سعيًا مني للتعريف بالنّصوص التي أقرأها وفقًا لما تعتمده من تساؤلات ورؤى متعددّة، ولما تقتضيه من أنماط ومصائر مختلفة.

العاطفة والاتّساع ومعارج أخرى... في مجموعة

العاطفة والاتّساع ومعارج أخرى... في مجموعة "سمكة اللّغة" للشاعر الجزائري "محمّد قسط"...

حسناء بن نويوة.. الجزائر 

 

 

 

 

 

كثيرًا ما أجدني أقرأ الشّعر بعناية فائقة وأعود إليه مرّات كثيرة لأقتنص سِماته الوجدانية العالية، وأتحسّس دفقاته العذبة ولحظاته الهاربة، وكذلك سعيًا مني للتعريف بالنّصوص التي أقرأها وفقًا لما تعتمده من تساؤلات ورؤى متعددّة، ولما تقتضيه من أنماط ومصائر مختلفة.

 

 


دون اختيار مسبق انفردت هذا المساء بمجموعة "سمكة اللّغة" للشاعر الجزائري "محمّد قسط". مجموعة رشيقة في طبعة جميلة جدًا صادرة سنة (2018) عن دار ميم للنشر. موزعة على ضفاف (87) صفحة.
على إزدواجية البياض والفراغ استفتح الشاعر مجموعته بدءًا من الإهداء:
إلى القناني الفارغة
التي أجدها أسفل سور المدرسة صباحًا
في طريقي إلى العمل.
والذي جاء دلالة على رغبته في مدّ الأشياء السطحية، المُبعثرة والمُهملة قيمة تثبت خلفياتها ولوازم وجودها. محاولاً بذلك أن يخلق من اللّاشيء عوالما أخرى أكثر توغلاً ومشهدية مواكبة ومسايرة لقتامة الواقع وللحياة بمختلف أوجاعها وعقباتها وحرائقها وكدماتها وحقائقها وأسئلتها الوجودية الرابضة في العمق أيضًا:
أتحاشى الاستيقاظ باكرا
حتّى لا تسألني القصيدة
- لماذا لم أطفئ الحرائق التي خلّفها المجاز؟
*
هل أصلح للعشق
بيدٍ معطوبة
لا تقدر على إمساكِ قُبلة؟.
كما استحضر الحزن والتّعثر والوحدة والغياب والموت بصورة مثيرة ومتكرّرة في أكثر من نص. وكشف عن الصراع الداخلي والأزلي للنفس والجسد:
هناك الكثير من الحزن في الكتابة
مفاتيح لأقفال وهمية
معزوفات بلا أصابع تعزفها
أقنعة لوجوهٍ نلبسها.
*
يا لحظّي العاثر
أفقأ ضوء عواميد الإنارة
رغم ذلك تبصرني
وأنا أحاول تقبيل ظلّي!
*
في يوم الأربعاء
آخذُ إجازة من كلّ شيء
إلّا من كوني
وحيدًا.
*
فاتك وأنت تشتري
تذكرة القطار
أن تقتطع تذكرة ثانية
لغيابك!
*
أخجل من قبر جدّتي
أخبئ الوردة في صدري
أنزع ضلعي لأرمّم الشاهد
أرجع خطوتين
حتّى يصبح ظلّي
بِحجم الموت.
*
من أعطى الموت عناوين منازلنا؟
من أخبره عن الهواية التي نحبّ أن نمارسها
ونحن عُراة؟.
قد يتسائل القارئ وهو يقلّب صفحات المجموعة، عن النزعة الذّاتية الطاغية. وعن معنى أن يكتب الشاعر "محمّد قسط" بروح هشّة، ضجّرة، متعبة، نابضة، غزيرة، ساخطة ومتسائلة في أغلب الأحيان. فهو ها هنا يبتكر من دروب ضحلة مسالك أكثر اتّساعا. ويحقق هدفه ومبتغاه في إدماج المتلقي بلحظاته الشّعرية اليومية. مجموعة ذكّرتني بالنّكهة "الأدونسية" تلك التي تتّسم بالأسلوب الفكري الرمزي والجمع بين المتضادات والمتناقضات والمفارقات. فجاءت جلّ نصوص "محمّد" متآزرة فيما بينها، مبنية على الاشتغال اللّغوي الكثيف والمهارة الإيحائية العالية والتجديد الدائم والتركيب المختلف. بقدر ما كانت معبرة وراصدة بذلك عن دوران الشاعر حول نفسه وتشابكه مع روحه القلقة التي تبحث لها عن مخرج وخلاص من حالات التشظّي والسأم والعياء والضجر والأرق والانطفاء الذي يهيمن عليها:
لا أعرف إن كنت أكتبُ لأؤثث المكان واللّغة.
أو لأجعل الكمنجة رئةً لأشجار كلّفتها الرّيح
أن تدخّن حزننا في الطرقات؟
*
أكتب وفي الصدر حدائق ملغّمة
تنمو مع كلّ نفس وسيجارة.
*
السمكة بعيونها الكبيرة على الطاولة
تلاحظ فشلي في إمساك الضجر من أذنيه.
*
ضَجرٌ جدًا 
هذا المساء
حتّى أنّه جرح 
وجهي.
*
أقترب للشمس بقامتي
أكتشف أنّني أقصر من دُعاء
وأطول من مغفرة.
*
أدسُّ رأسي في الجاز
حبّة الأسبرين تثقب جمجمتي
أجرُّ جسد الظهيرة إلى ظلّ شجرة
وأنام كقيلولة في بالِ الأرق!
*
فارغ كزجاجة نبيذ
يسكنها ليلٌ،
فقد مقاس أحذية النجوم الصغيرة
التي تتسلل إلى العلّيات
المُطفأة.
"سمكة اللّغة" مجموعة ثرية ومتخمة بدفق لغوي عال وحس جمالي لافت وزخم إنساني مضمخ بأوجاع الذّات والآخر. ممّا تجعل قارئها متعطشًا ومتأملاً أكثر للحالة الشعورية والشّعرية في الآن ذاته. فنصوص "محمّد قسط" على قصرها فهي فلسفية تتلاعبُ على وتيرة البياض بقدرة مشفرّة ومستويات كتابية فائقة الثقافة والمراجع. فليس من الممكن أن ندرجها ضمن النّصوص المباشرة أوالتقليدية، بل هي جديرة بالمواكبة والمعاصرة كمثال حيّ يعكس انتصار الحركة الشّعرية بمختلف طبوعها في الجزائر.
يقول الشيخ "عبد القادر الجرجاني" الذي يُقِرُ بتأثير المشاعر في الأحكام الأدبية في قوله: "إذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعرًا أو يستجيد نثرًا ثُمّ يجعل الثناء عليه من حيث اللّفظ، فيقول حلو رشيق، وحسن أنيق، وعذب سائغ، وخَلُوب رائع، فاعلم أنّه ليس يُنبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف، وإلى ظاهر الوضع اللّغوي، بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده، وفضل يقتدحه العقل من زناده".
وأنا من خلال هذه المقاربة الفنّية أعود مجدّدًا لأشكر الشاعر "محمّد قسط" على المتعة التي حققتها لي مجموعته، آملة في أن تنال حظًّا أكبر من القراءات المختلفة والنّقد الذي يسبر جوهرها وآثارها الشّعرية الشاسعة المعنى والمبنى.