غرام وانتقام بوسوسو....رحلة امرأة من الجن.. *عامر محمد احمد حسين..

غرام وانتقام بوسوسو....رحلة امرأة من الجن.. *عامر محمد احمد حسين..

غرام وانتقام بوسوسو....رحلة امرأة من الجن..
*عامر محمد احمد حسين..
فازت رواية (غرام وانتقام بوسوسو) للروائي المصري(حجاج أدول) بالمركز الثالث في مجال الرواية جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي الدورة الحادية عشرة.
هناك بالطبع عوالم أخرى تعيش بيننا، ومن هذه العوالم السحرية ،تخرج (بوسوسو) من عالم الجن، وفي سرد واقعي لهذا العالم المخفي ،يستوعب السارد كل هذه الفوضى التي نراها ،وكأننا نراها لأول مرة ،من أنانية تغلف حياتنا وضمير ميت يعمل  ليل نهار لتغييب الحقيقة،وغيبوبة كاملة عقلية لاتدلنا  عليها، إلا امرأة من الجن. هذه الشابة تخوض معركة ضد من يسلب حقوقها ،ضد والد ،تخلى عن زوجته وطفلته ،اختارت زوجها بنفسها وأعلنت ذلك للجميع."بوسوسو تتناسى فعلتي أبيها الباغي الأساسيتين، طلاق أمها وصفعته لها وهي طفلة دفاعا عن زوجته الثانية .تعيش حياتها كما تريد، كما تحب ،كما تشتهي. منطلقة بعنفوان شبابها، فهي الجميلة الغنية. وبشخصيتها القوية المتدفقة تقود عصابة أصدقاء من سنها في اندفاعاتهم النهارية والليلية الطائشة .يرتدون ملابس متشابهة، مرسوم على بطونهم العارية شعارهم .. خطوط ملونة متعرجة متصاعدة تتجمع لترسم قمرا مبتسما وشمسا ضاحكة.----رواية غرام وانتقام بوسوسو".. استخدم الراوي في متن النص زاوية سردية تعمل على تواصل مع المتلقي وإخبارية تعتمد على تتبع حياة (بوسوسو) كمفتاح لعوالم (الجن) ليس باعتبارها عوالم مخفية يعاني من وجودها البشر، ويسعون من أجل إخراجها من حيواتهم. إنما عوالم موجودة في الطبيعة وهذه حياتهم، يعيشونها، وفيهم الطيب والخبيث، الجميل والقبيح ،وفي المتن والهامش وظلال مايقاسون تتضح صورة واقعية تنطبق على إنسان اليوم وما الرمز إلا انعكاس للمسكوت عنه ولعل في سؤال الضرورة الفنية لمسرحة عوالم الجن سرديا، تقصي لدرجة يقين الراوي بأن عالم الجن وحرية الكتابة يلتقيان في خط مستقيم واحد مقياس التجريب والغوص في كل عوالم الماوراء ورسمها في صورة  (جنية) تعيش كأنها إنسان يظهر لنا صورة غير الصورة التي نعرفها عن عالم الجن باعتبارهم مخلوقات من عالم آخر غير معروفة ولكنها موجودة ويستكشف السارد هذه الحياة ويكتشف القارئ أن هذا العالم المخفي عنه يكاد يتطابق مع عالمه ومن هنا يستمد النص خصوصيته وفلسفته وخطابه ومن هذه الخصوصية تظهر ثقافة المجتمع المعاصر،بأحلامه الضائعة، حياته المقلوبة، أمانيه السراب . يرسم السارد لوحة سوريالية، ألوانها وخطوطها ،متداخلة ومتشابكة ،تري (ذيل حصان) كأنه من لوحة لسلفادور دالي ولكنه في الواقعي والخيالي السردي غير موجود بل يمثل إشارة إلى ماكان حقيقيا قد يصبح افتراضيا وما كان خيالا فهو حقيقة واضحة ومحددة معالمها ، وتمضي هذه السردية المختلفة في روح تجريبية ولغة خطاب  إلى البحث عن  وجه الحقيقة الغائب والمغيبة ومجتمعات تتحكم فيها الأنانية، والعنف، والظلم،ووجوه أناس أدمنوا الكذب والظلم .
شباب امرأة..
تحكمت (بوسوسو) في تفاصيل النص واستحوذت على كل المساحة السردية، وكان الخطاب مقترنا بحياة هذه الشابة الواثقة من نفسها والمتحدية لمجتمعها والخارجة عليه بنص قانون الجماعة--القطيع.. وهو قانون يغلف حياتنا المعاصرة، يفقدها عقلها واتزانها، وهي بلاشك حياة فاقدة للبوصلة وللتواصل وتعيش في عزلة ومحمية واسعة وشاسعة ،لاتسمع فيها صوت الخراب والدمار وغياب العقل.والسؤال عن الرمزية في العمل الأدبي والرواية الحديثة قد يدخل المرء في باب التأويل ولربما كان الأمس بوابة لسؤال ،ارتباط الترميز ،بغياب حرية الكاتب إلا أن النوافذ المفتوحة في الراهن قد جعلت من تقييد الكاتب أو الكتابة من المستحيلات ،لذلك فإن أي توصيف لهذه الرواية المختلفة عوالمها يحد من جماليتها ،إذ أنها في تتبعها لخط سير هذه العالم المخفي، استبصرت الواقع المعاش وقضاياه، وجعلت من أفق الاكتشاف بوابة للتجريب والاختبار والغوص في النفس البشرية .يمضي النص في طريقه نحو التعريف بهذه العوالم إلى مقاربة في داخل الزمن الروائي مع زمن خارجي يتمثل في حياة واقعية تجد صداها في لغة وخطاب الشخصيات في رواية (غرام وانتقام بوسوسو"خبر انتحار مياسو انتشر في سرعة. خبر مفجع تألم له الشعب خاصة أعضاء جماعة التفنن والتفكر .انتحار مياسو كان في توقيت مقصود ،قبل أعياد الشمس بيوم واحد ،وكما قالت هي شخصيا لصديق لها..إن موتها سيكون يوم عيد ،وإن على محبي الحياة أن يحتفلوا بها بالفرحة. بالطبع الذي سمع منها لم يدرك أنها كانت تقصد الانتحار قبل أعياد الشمس بيوم وأنها تطلب من الجن أن يحتفلوا بحياتها بناء على جوهر حياتها، وجوهر حياتها كما كتبت في أشعارها وفي نثرها، حب الخالق، حب المخلوقات والاحتفاء الدائم بالفنون، كتابة ولحنا وغناء ورقصا وكل مايسعد الجن"


- حادثة انتحار وسط الجن، تبدو هنا حالة انتقال ضرورية لجعل ماهو غير معروف في سيرة الجن، أي الانتحار طبيعيا وكأنه يحدث كل يوم كما هو حال حياة البشر.
- مفردة الجن، في خطاب (مياسو)  وطلب منهم الاحتفال بفاجعة وفاتها منتحرة، وهذا مخالف لحياة الإنسان وحزنه على فراق من يحب أو له
به صلة، إدراكا لما هو مشترك بين الإنسان وأخيه في الإنسانية. ولعل موقع المفارقة لتبيان الاختلاف بين شخصيات الرواية من عالم الجن، ودنيا الإنسان تتجلى أكثر في طلب (مياسو) الاحتفال والفرح بموتها أو قتلها لنفسها .وإذا كان السؤال لماذا طلبت مياسو، من الجن ذلك؟ ترتسم الدهشة لأن وفاتها (بناء على جوهر حياتها - وجوهر حياتها حب الخالق العظيم ،حب الحياة ،حب المخلوقات،والاحتفاء الدائم بالفنون)..في موازاة حياة (بوسوسو) الصاخبة والمتمردة والرافضة لقيود المجتمع وتحكمه في الأنثى، لمجرد أنها أنثى، وطلاق الأم والأب، وزواجها من حبيبها واختيارها له على عكس ماتعارف عليه المجتمع، ثورتها وعصابتها من الشعب على تقاليد مجتمعية لاتتماشى مع العصر"تلقي الشباب الشرارة فانطلقوا إلي التنفيذ بروح الشباب واندفاعاتهم، كونوا جماعات عمل فنية وخطابية وتنظيمية .توغلوا في كل المناطق في المملكة شارحين أهمية الحشد وأهمية استعادة اسم الزينة ،وأهمية أن يكون كل جني حرا لايكبته كاهن ولا اتباع وزير الخفاء، ولم تستطع القلعة الصفراء وكهنتها النشيطون مجاراة الشباب وإيقاف اندفاع شعب الجن المستعد للاحتفال بإعياد الزينة احتفاء بالحياة--رواية غرام وانتقام بوسوسو"
خطاب البشر..
خطاب استمد وجوده من ثقافة مجتمعية تظهر في حيثيات محددة لمجتمع معاصر يعاني من  انقسام حاد في الرؤية بين المرأة والرجل والزوج والزوجة والأب والإبنة وتناقضات  عديدة تغلف الحياة المعاصرة بكل ماتمر به الإنسانية من نهوض وتطور لكنها في كل يوم تضيق مساحة التسامح...رواية "غرام وانتقام بوسوسو" كتبت بلغة سردية تدل على خبرة ومعرفة بتقنيات الكتابة ،وثقافة واسعة، ومعرفة بالحياة والناس، وهي رواية واقعية  بشرية وتنتمي لعوالم البشر بامتياز ،وإن طارت بطلتها وتحولت إلى فراشة، أو كان مسرحها عالم الجن ....