دور الثقافة في استقلال السودان

دور الثقافة في استقلال السودان محمد نجيب محمد علي - د. ليمياء شمت كان لمساهمات الأمين علي مدني النقدية دورها في تشكيل الوعي، وثقافة المطالبة بالحقوق

دور الثقافة في استقلال السودان

دور الثقافة في استقلال السودان


محمد نجيب محمد علي

- د. ليمياء شمت   
 كان لمساهمات الأمين علي مدني النقدية دورها في تشكيل الوعي، وثقافة المطالبة بالحقوق

- د. عزالدين هلالي
مؤتمر الخريجين كان  كيانا ثقافيا محضا

الروائي عيسي الحلو
ارتبط الاستقلال في السودان بالبحث عن الهوية

الناقد عامر محمد احمد
الصولين الادبية التي ظهرت في العشرينات هي التي بلورت سؤال الهوية

 

لعبت الثقافة دورا كبيرا في استقلال السودان إذ كانت المساهمة الأولي في النضال ضد الاستعمار من خلال ركيزة الثقافة وهو ما تمثل في ثورة 1924 إذ ساهمت الفئة المتعلمة والمثقفة في وضع الاطار الفكري والثقافي لهذه الثورة ثم كانت من أسباب تكوين مؤتمر الخريجين 1938 وهو المؤتمر الذي اسس للحركة السياسية السودانية واعطاها الدافع للمطالبة بالاستقلال  كما لعب كثير من المثقفين دورا كبيرا  في تعزيز الهوية السودانية العربية الافريقية من خلال إبراز هذ التاريخ الحضاري للسودان وعكسه علي الحاضر الاستعماري استشرافا للدولة الوطنية ويري كثير من اهل الفكر والثقافة ان استقلال السودان كان فعلا ثقافيا  صرفا لذلك خرج الانجليز بعد ان تبين لهم ان السودان بقياداته في تلك الفترة ومثقفيه ومفكريه هو الأحق بأن يكون الدولة الثانية في افريقيا جنوب الصحراء التي تنال استقلالها

 

نواة الوعي

تقول الاستاذة الجامعية  الدكتورة الناقدة ليمياء شمت لابد من الإشارة بدءا للكتابات والمساهمات الإبداعية المستنيرة التي اسهمت في تشكيل نواة الوعي وحفزه وتوجيهه، وهي التي  مهدت الطريق لحراك الإستقلال. ويمكننا الاستهداء بما أتاحه الناقد عبد القدوس الخاتم في مراجعاته النقدية، حيث يقف الخاتم عند مساهمات محمد عشري الصديق، الناقد الرائد الذي بدأ في التألق في وقت باكر من ثلاثنيات القرن الماضي، ليبرز بقوة ككاتب أصيل وكناقد أدبي وثقافي له أسلوبه الخاص الفريد والماتع. بالإضافة لتميزه بالريادية التجديدية والعمق الفكري، وكذلك المقدرة على تشخيص الأدواء الاجتماعية، وسبرها ورفع الغطاء عنها. وقد جمعت مقالات محمد عشري الصديق بعنوان " آراء وخواطر"، حيث صدرت عن وزارة الثقافة والإعلام في العام 1970. وبذات الصلة يتناول الخاتم في مقال آخرالجهود النقدية الحادبة والرائدة للناقد  محمد محمد علي، الذي يصفه بأنه صاحب نظرة ثاقبة: ويتميز بعقلية جدلية تنفذ إلى صميم الأشياء"، وهي نظرة مخالفة للسائد فهو "سباح ماهرعكس التيار. ويضرب الخاتم عدة أمثلة لآراء محمد محمد علي النقدية غير التقليدية، والتي يبدي محمد محمد علي فيها رأياً أصيلاً وحجة قوية في أمر المناهج التقليدية، وطرق التدريس البالية والمنفرة لنحو وقواعد اللغة العربية على وجه الخصوص.


وتجدر الإشارة كذلك لجمعية اللواء الأبيض وهي إحدى الجمعيات السودانية الساسية السرية ذات الأفق الثقافي، والتي عملت على بعث الوعي القومي فشكلت بدورها حراكاً وطنياً توعوياً يتوسل بالعمل الثقافي لبعض عضويتها التي شملت كتاب ونقاد وشعراء ومغنين. وقد كان لإنشاء كلية غوردون في العام 1903 أكبر الأثر على تطوير الحياة الاجتماعية والثقافية، عبرمساهمات ومبادرات جيل متعلم منفتح على  إمكانات النضال الوطني المصادم والمنظم. ومن أمثلة ذلك الأشعار والغناء الوطني لخليل فرح خريج كلية غردون، الذي أشاع التغنِّى بالوطن ومناهضة الاستعمار في الفضاء الاجتماعي الشعبي. بالإضافة للجهود النقدية الحادبة للناقد الشاب الأمين علي مدني، واﺤﺘﺪاﻡ ثورته الفكرية ﻋﻠﻰ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺇﻧﺘﺎﺝ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﺎﺕ، ﻭﺍﻟﺘﻤﻜﻴﻦ ﻟﻠﺴﻠﺒﻴﺔ ﺍﻟﻤﺆﺩﻟﺠﺔ ﺍﻟﻬﺎﺩﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﺗﻨﻤﻴﻂ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﻭﺗﻜﻠﻴﺲ ﻣﻔﺎﺻﻠﻪ. ﻭﻳﺒﻠﻎ ﺃﻭﺝ ﺛﻮﺭﺗﻪ ﻭﻫﻮ ﻳﺨﻮﺽ ﻓﻲ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻔﺼﺎﻡ ﺍﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﻜﻦ  ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﺮﻡ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻣﻦ ﺣﻖ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ. وتضيف شمت أن ﻣﺪﻧﻲ شارك بقوة وعمق في ﺍﻟﻤﻨﺘﺞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻧﻔﺮﺩ ﻭﻗﺘﺌﺬ ﺑﻤﻨﺎﻗﺸﺔ ﻗﻀﻴﺔ ﺗﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﺔ. ومضي رغم يفاعة سنه ليحقق ﺭﻳﺎﺩﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﺑإﻃﻼﻗﻪ ﻷﻭﻝ ﺑﻴﺎﻥ ﻟﻺﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻮﻱ ﺍﻟﻤﺤﺾ ﻛﺮﻭﺡ ﻭﻣﺰﺍﺝ ﻭﺩﻣﻐﺔ سودانية ﺛﻘﺎﻓﻴﺔ ﺧﺎﺻﺔ. ﻓﻘﺪ ﺗﻨﺒﻪ ﺻﺪﻳﻘﻪ ﺗﻮﻓﻴﻖ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻘﻮﺓ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﺸﺎﺭﺓ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﻓﻜﺮ ﻣﺪﻧﻲ ﻓﻜﺘﺐ ﻣﻘﺎﻻً ﺧﺼﺼﻪ ﻟﻤﺤﺎﻭﺭﺍﺕ ﻣﺪﻧﻲ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﻐﻨﻴﻦ ﻭﺍﻟﺸﻌﺮﺍﺀ ﻭﺍﻷﺩﺑﺎﺀ، وﺣﺜﻬمﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻔﺎﻧﻲ ﻓﻲ اﺳﺘﻠﻬﺎﻡ ﻣﻌﺎﻧﻴﻬﻢ ﻭﺃﺧﻴﻠﺘﻬﻢ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻣﺎﻫﻮ ﺳﻮﺩﺍﻧﻲ ﻣﺤﺾ. وهكذا فقد كان لمساهمات الأمين علي مدني النقدية دورها في تشكيل الوعي، وثقافة المطالبة بالحقوق، والعمل الجماعي الدؤوب لمناهضة الاستعمار اجتماعيا وثقافيا وفكريا للظفر باستقلال السودان.


و كان للشعر مساهماته العميقة الأثر في تجييش الشعور القومي وجمع صفه لمقاومة الاستعمار والتحريض على الثورة. وتبرز هنا على سبيل المثال لا الحصر أشعار الصاغ محمود أبوبكر الملقب بالنسر،ويوسف مصطفى التني المهندس والدبلوماسي والأشعار الوطنية لأحمد محمد صالح ، وهو كذلك من رواد شعر الوطنية في السودان، والتي لعبت دورا مقدراً وجليلاً في نشر الوعي القومي  وتجييش الحس الوطني.
وتشير الدكتورة ليمياء إلي مساهمات  السرد الروائي السوداني في ذلك الحراك بتناوله الشجاع لقضايا شائكة كما في رواية شوقي بدري بعنوان "الحنق"، باعتبارها من المحاولات الإبداعية الجريئة لمواجهة وتعرية المسكوت عنه على المستوى الاجتماعي المعاصر، ونبش مواضيع ذات طبيعة خاصة  تفضح ازدراء واستغلال المهمشين والضعاف في قاع المجتمع، بأسلوب روائي يستعين بمباشرة لا تنقصها الصراحة، وبواقعية صارخة تتوخى الكشف عن المآسي والبؤس والحرمان الذي كان سائدا في أزقة وحواري المدن. بينما يري الدكتور  عز الدين هلالي استاذ الدراما بالجامعات السودانية الوعي المبكر للمثقفين السودانيين في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين ، كان له أثر مباشر في النهضة القومية التي انتظمت السودان في ثلاثينيات  القرن العشرين وهو  ما يسمى في تاريخ الفكر الثقافي والسياسي والاجتماعي  في السودان بنهضة الثلاثينيات
تلك النهضة التي أجهضها المستعمر بقتل وإقصاء روادها وهم صغارا .
فحمزة الملك طمبل ومعاوية نور ورصفائهم الذين بشروا ب ت. س. إليوت وماثيو آرنولد والنقد الموضوعي في الثلث اﻷول من القرن العشرين في السودان  ، كانوا هم أنفسهم قادة الدعوة إلى وجود هوية سودانية مستقلة عن التيارات التي كانت تتنازع السودان حينها بحكم طبيعة الاستعمار الذي ما قدر له إﻻ أن يكون ثنائيآ طوال اﻹرث الاستعماري في السودان .
فلم يكن غريبآ أن يبشر معاوية نور بماثيو آرنولد والنقد الموضوعي في مصر في صحيفة  (اﻹيجبشيان غازيت)  في أواخر الربع اﻷول وأوئل الثاني من ذات القرن  .
ويقول هلالي عندما نضيف إليهم مثقفي الثلاثينيات  من أمثال عبد الله عشري الصديق وشقيقه وزملائهم  من جماعة  مثقفي ابي روف الذين كانوا يروجون للاشتراكية في فنونهم وآدابهم ، ندرك تمامآ أن الثقافة والمثقفين كان لهم الدور اﻷعلى في إستقلال  السودان ، ذلك الدور الذي توجه مؤتمر الخريجين بالدعوة للاستقﻻل ، و ما مؤتمر الخريجين إﻻ كيان ثقافي محض .

الذات القومية

ويقول الروائي والقاص عيسي الحلو ارتبط الاستقلال في السودان بالبحث عن الهوية وكانت فكرة الحرية السياسية والثقافية مرتبطة بالذات القومية خاصة في ذلك الوقت الذي جثم فيه الاستعمار الاوربي علي صدر العالم الثالث في اسيا وافريقيا ولهذا كان التمهيد للاستقلال السياسي يستخدم الادب والفنون الاخري في التعبير عن تأكيد ارادة الامة في ان تحيا حريتها دون سيطرة المستعمر وقد استطاعت النخب السودانية استخدام هذه الفنون والاداب في خدمة هذا الغرض القومي الكبير ولاسيما وان الاستعمار الانجليزي في ذاك الوقت في اوائل الثلاثينيات كان لايسمح بان تكون الكتابة فعلا سياسيا وكانت تسمح فقط للكتاب ان يكتبوا في الادب والفن وان لا يقربوا السياسة قط و بعد ثورة اللواء الابيض اندفعت هذه الكتابات واستمرت في مجلتي الفجر والنهضة وكانت تتعرض لموضوع الهوية وموضوع الافريقية والعروبية والواقعية والموضوعية  كما كانت تعالج القضايا الاجتماعية كالمقارنة بين الموقفين الحضاريين وهما الريف والمدينة وظهرت في ذاك الوقت ما يعرف بمدرسة القصة الادبية القروية وفي مقابلها كانت قصة المدينة التي يكتبها كتاب المدينة والتي كانت تتخذ ابطالها من الافندية والمتعلمين كل ذلك كان عبارة عن دروب تربط الثقافة بالتنمية الاجتماعية بوصفها منظورا فكريا سياسيا وفي كل هذا كان الكتاب يتخذون من الرمز منهجا في التعبير تحاشيا للرقابة السياسية وفي ذاك الوقت ظهر كتاب لهم عبقريات قوية كانت تمزج مابين الادب والسياسة بطريقة لايختل معها المضمون والشكل بل كان معاوية محمد نور نابغة في النقد الادبي اذ تفوق علي نقاد ذاك العصر في بلاد مصر والشام وكان التجاني يوسف بشير قد استطاع ان يخترع قصيدة تمزج بين الافريقية والعروبية وهو نفس الطريق الذي سلكه فيما بعد كثير من شعراء السودان ومنهم الفيتوري ومحمد عبد الحي في العودة الي سنار التي خرجت منها مدرسة الغابة والصحراء والتي خرجت منها ايضا مدرسة الخرطوم التشكيلية بجهود الصلحي وشبرين واذا اردت ان تتامل هذه الخطوط ستجدها الان قد تبرعمت وازهرت مع جهود الشباب من جيلهم الاول حتي جيلهم الثالث والاخير وهذا كله هو من جهود البحث عن الذات السودانية و كل الجيل المثقف الذي مارس فعل الكتابة في ذلك الزمان  هم في الاساس مفكرون سياسيون اتخذوا من الادب زريعة و وسيلة يمكن ان يناقشوا عبرها ماكان الاستعمار لا يسمح بمناقشاته علنا ولك ان تجد هذا في مثقفي اليمين واليسار هناك محمد احمد المحجوب الشاعر والخطيب وهناك محمود الفضلي الشاعر وهناك حسن الطاهر زروق الروائي القاص وهناك سعد الدين فوزي الشاعر وهناك جمال محمد احمد الكاتب والناقد الادبي وهناك الشاعر الضخم عبد الله الطيب وهناك احمد الطيب احمد صاحب اصوات وحناجر وكل هذا الجيل الرائع هو الذي فتح هذه الدروب امام ثقافة الاستقلال. ويري الناقد عامر محمد احمد أن استقلال السودان كان ثمرة لحراك ثقافي انتظمت محطاته ارجاء كل السودان بميلاد استعمار لم يشاورهم احد فيه إذ أن سقوط الدولة المهدية غير المتفق عليها سودانيا كان بمثابة تنبيه للقوي المتعلمة في ذلك الوقت بأن التحضر والنهضة يرتبطان بالتعليم وبالتالي فإن الخروج من الإستعمار يحتاج لعمل ثقافي يوضح مساوءه وينتج فعلا سياسيا جديدا تمثل في الجمعيات الثقافية في عشرينيات القرن المنصرم والتي افردت ثورة 24 وافرزت كذلك مسرحا جامعيا في كلية غردون حاول قراءة الحاضر باعادة التاريخ المجيد ومن ثم سؤال المستقبل وكان لهذا الفعل الموجب دوره الكبير في صياغة رؤية وطنية متكاملة حول مساويء الاستعمار وانتج ذلك شعرا وطنيا ساهم في احياء الشعور الوطني والديني وكان لذلك الدور المتعاظم في التعريف بتاريخ السودان والعمل علي صياغة وجدان واحد وهو ما انتجته الثقافة السائدة في ذلك واعطته بسؤال الهوية اول مدماك في تعريف السودان بتاريخه وبحاضره وبماضيه مما شكل اللوحة التي انتهت برفع علم الاستقال في 1/1/ 56 ولم ينته سؤال الدولة الوطنية ودور المثقف فيها الذي لا زال مفتوحا حتي اليوم وقد كانت هنالك كثير من المدارس الثقافية والفكرية التي اسست لكيان السودان الثقافي وانسحب ذلك علي الكيان الجغرافي والمعلوم ان الصوالين الثقافية التي بدأت في فترة العشرينات وانزوت في نهاية الاربعينيات بظهور الحراك السياسي الوطني ممثل في المدارس السياسية من استقلالية اتحادية هي التي  بلورت سؤال الهوية وبالتالي فإن المدارس المتأدلجة التي ظهرت بعد الاربعينيات هي التي اعادت الاشكالية الي اشكاليتها بطرح اسئلة لاعلاقة لها بالواقع السوداني ولا الهوية السودانية مما اخل بالايقاع النهضوي وسؤال الخروج من التخلف وهذا هو السؤال المحوري والشائك الذي نعاني منه اذ ان المثقف المتأدلج هو ضد الحرية.