ثمار جائزة

ثمار جائزة أبوطالب محمد أصدر مركز دكتور يوسف عيدابي الثقافي حديثا كتابين مسرحيين، وهما نتاج للجائزة السنوية التي يعقدها المركز تحت مسمى جائزة د. يوسف عيدابي للبحث المسرحي الدورة الثانية 2018-2017م.

ثمار جائزة

ثمار جائزة
أبوطالب محمد

 

 

أصدر مركز دكتور يوسف عيدابي الثقافي حديثا كتابين مسرحيين، وهما نتاج للجائزة السنوية التي يعقدها المركز تحت مسمى جائزة د. يوسف عيدابي للبحث المسرحي الدورة الثانية 2018-2017م.
الكتاب الأول: (النشاط المسرحي بنادي الخريجين بأم درمان 1948/1938م) للباحث والأكاديمي عبد القادر إسماعيل أحمد عبد الله، وهو البحث الذي حظى بالجائزة الأولى في المسابقة. والكتاب الثاني(تجارب ما بعد الحداثة في المسرح السوداني 2018/1980م - الفرق المستقلة نموذجا)  الذي حظى أيضا بالجائزة الثانية للباحثة والناقدة ميسون عبد الحميد..
* الكتاب الأول:
قسم الباحث عبد القادر إسماعيل سفره التوثيقي إلى أربع فصول متتالية تناول في الفصل الأول مبحثين أساسيين هما: مقدمة منهجية ونظرية والدراسات السابقة. عبر هذين المبحثين. واوضح الباحث منهجيته التاريخية الوصفية والتحليلية لدور مؤتمر الخريجين في السودان واسهامه الفاعل  في تاريخ الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار، ومن خلاله أبرز الباحث النشاط السياسي والاجتماعي والأدبي لفترة مؤتمر الخريجين مركزا على دوره الثقافي المسرحي ورفده للحياة المسرحية بالعديد من الأعمال المسرحية التي قدمت على خشبته. ثم تطرق في المبحث الثاني للدراسات السابقة المؤرخة للنشاط المسرحي بنادي الخريجين. واتبع في الفصل الثاني ذات النهج المبحثي وحدده في مسارين نقديين هما : مؤتمر الخريجين ولمحات من تاريخ المسرح السوداني في ذلك الزمان، وهي الفترة الناجزة التي قدم فيها المسرح السوداني تجارب مسرحية متعددة الرؤى والتوجهات بدءا من التجارب المسرحية العربية والإفريقية وأثرهما على المسرح السوداني رابطا ذلك بتجارب الجاليات الوافدة ودورها في شحذ الفعل المسرحي بمساهمات متنوعة قدمت مسرحيات اتسمت بموضوعات خارج البيئة المحلية. وأشار أيضا في المبحث نفسه الى تجربتي عبيد عبد النور وصديق فريد ودورهما المناهض للاستعمار. وفي ثنايا رصده إلى فترة المؤتمر أشار الباحث إلى رواد مسرح الأربعينيات المتمثلة في تجربة د. أحمد الطيب أحمد وقال عنها:( أشرف على الحركة المسرحية التي نهضت بمعهد بخت الرضا، واعتمدت ترجمة العديد من أعمال شكسبير مادة لها مثل ترجمته لمسرحية فلستاف، وتخرج من بخت الرضا العديد من الذين حملوا لواء المسرح معهم لمدارس السودان المختلفة).

 


 تؤكد هذه الفترة أن هناك دورا منشطيا مسرحيا خارج مظلة  نادي الخريجين أسهم بفاعلية في إثراء الحقل المنشطي المسرحي  راهن عليها المسرح السوداني، وهي فترة  تمثل حلقات متصلة مع بعضها البعض داخل إطار الفترة التي حددها الباحث ولكنها على بعد من نشاطه. وهي ميزة تعضد تواصل الاسهام المسرحي بين مختلف الأجيال في رقعة جغرافية واحدة وبخطاب مسرحي منسجم أولى الاهتمام بالجانب المناهض للاستعمار. ففي الفصل الثالث وضح الباحث مسارات بحثه صوب مسرح نادي الخريجين ورصد جدولة توثيقية شملت العديد من الأعمال المسرحية التي قدمت في نادي الخريجين ونذكر على سبيل المثال لا الحصر عشرة تجارب مسرحية لفرقة رمسيس للمسرحي يوسف وهبي، ومنها: مسرحية ( رجل الساعة) ومسرحية(الفاجعة) ومسرحية( بيت تهدم) ومسرحية (زواج بلا حب)...إلخ وفي سبيل رصده ذكر عدد من الأعمال المسرحية لفرق محلية ضمت جمعية خريجي المدرسة الأهلية التي قدمت مسرحية (في سبيل التاج) وجمعية هواة التمثيل المسرحي التي قدمت مسرحية ( دخول الحمام) وفرقة نادي الزهرة الرياضي التي قدمت مسرحية (الزواج والتقاليد) وهي من تأليف وإخراج المسرحي الراحل خالد أبو الروس وقدمت أيضا لخالد أبو الروس مسرحية(خراب سوبا) وقدمت أيضا مدرسة العناية مسرحية ( نشاط مسرحي) إذن جملة الاعمال المسرحية التي رصدها الباحث في نادي الخريجين بما فيهم أعمال يوسف وهبي شملت تسع وثلاثين عملا مسرحيا. وهي توضح أن المسرح السوداني في بواكير أنشطته ضم تجارب مسرحية لفرق زائرة ومحلية وهو دليل صحة وعافية لنشاط مسرحي نشأ على إزدواجية في المعيار الفني. ففي الفصل الرابع والأخير ناقش الباحث نتائجه وتوصياته وخلص إلى عدد من النتائج منها : مجموع العروض المسرحية التي قدمت في نادي الخريجين بأمدرمان قد كان هو مسرح كل الأندية والفرق التي كانت تنتج أعمالا مسرحية في تلك الفترة على الرغم من وجود مسارح لبعض تلك الأندية والفرق، وخلص للقول بأن نادي الخريجين هو شيخ الأندية وشيخ مسارح الأندية في السودان.

 


* الكتاب الثاني:
تخطى إطار التقسيم الشكلي المتبع نظام الفصول واتكأ على تقسيم منهجي نسبة إلى فرضيته الناقدة لإثبات تجارب ما بعد الحداثة ووصفها بمسمى الفرق المستقلة كنموذج للحوار والتحليل والرصد. أبتدرت الناقدة ميسون سفرها بمقدمة منهجية ضمت محاور أساسية للمصطلح المسرحي وربطته بسؤال التعددية الثقافية في مجال المسرح من خلال زاويتين أساسيتين. الزاوية الأولى وضحت فيها حق الأمم والثقافات العالمية في ممارستها للتقاليد الثقافية ومع استفادتها من التقليد الغربي المتمثل في الشكل المسرحي الأرسطي دون أن تقتصر عليه وحده. والزاوية الثانية حق جميع الثقافات والجماعات الفنية داخل بلد ما،  في أن تعبر عن المضامين التي تختارها بالأشكال التي ترتضيها دون أن تخضع لهيمنة ثقافة واحدة. عبر هذين الزاويتين تولدت أسئلة الكتاب عن طرح سؤال التعددية على المستوى القومي وعلى المستوى الثقافي بشكل عام. إذن أن  إختيار الباحثة لتجارب ما بعد الحداثة في نموذجها  المسرحي التطبيقي إختيارا صحيحا لأنه أتاح تكوين نظرة شاملة لتوثيق دور الفرق والجماعات المسرحية في السودان من باب حداثوي. باعتبار أن سؤال التعددية كما وضحت الباحثة يفتح الممارسة والخبرة المسرحية في السودان على آفاق الثقافة العالمية بالدراسة النقدية لمحاولات الخروج عن السائد عبر المسرحة والدراماتورج وحتى الكولاج المسرحي، والاستفادة من البيئة والموروث الثقافي المحلي لخلق أشكال مسرحية جديدة، مطورة عن الأشكال المسرحية السابقة، ومستفيدة منها بغرض إعادة قراءة الواقع والتاريخ السوداني. ثم تطرقت الباحثة إلى الخلفيات التاريخية لنشأة الفرق والجماعات المسرحية في السودان وارتباطها بالتوجه الحديث في الشكل والمضمون . ووضعت بانوراما عامة للفرق والجماعات المسرحية الناشطة في العاصمة  الولايات وأبرزت دورها الحديث في تقديم خطاب مسرحي مستقل استوعب سؤال التعددية الثقافية. والجدير بالذكر أن الكتاب استند إلى تجربة جماعة مسرح شوف في الخطاب والتكنيك والإخراج المسرحي وقارنت ذلك بتجربة المختبر أو المعمل المسرحي، وتوصلت إلى أن المتابع لتجارب الفرق والجماعات المسرحية المستقلة في السودان يجد حقيقة أن لها آفاقا جديد للمسرح لإعادة خلق التقاليد المسرحية القديمة نفسها ضمن تلق جديد، وإدراجها ضمن مفاهيم وأشكال جديدة تعيد تشكيل بنيتها، لا سيما أنه في خطاب وتكوين تلك الفرق والجماعات ما يفيد أنها نهضت على استلهام التراث وتوظيف الثقافة السودانية في إطار التعدد والتنوع الثقافي، كما نهض أيضا خطابها على أسماء ذات محمولات رمزية سياسية ووطنية كفرقة( عزة) وفرقة( الأرض) و(جماعة مسرح السودان الواحد)، بل إن بعضها اتخذت اسما ذا صلة بالقاموس المسرحي نفسه كجماعة المسرح التجريبي والورشة المستمرة لتطوير فنون العرض والورشة المسرحية الجوالة ومنطقة صناعة العرض وجماعة شوف المسرحية وكواليس الإبداعي. في ختام هذا الحديث أقول أن كتاب النشاط المسرحي وتجارب ما بعد الحداثة كتابين مخلصين لأطروحاتهما النقدية والتوثيقية، لأنهما أتيا بحفر معرفي مفيد  في الرصد والتوثيق والتحليل وهما جديران بالقراءة والاحتفاء.