أوروك هايكو الغرام على فم جلجامش...سرد المختلف.. *عامر محمد احمد حسين..

 أوروك هايكو الغرام على فم جلجامش...سرد المختلف.. *عامر محمد احمد حسين..

 أوروك هايكو الغرام على فم جلجامش...سرد المختلف..
*عامر محمد احمد حسين..
رواية (أوروك هايكو الغرام على فم جلجامش) للكاتب العراقي (نعيم عبد مهلهل) فازت بالمركز الاول جائزة الطيب  صالح العالمية للإبداع الكتابي الدورة الحادية عشرة. والقاص والروائي نعيم عبدمهلهل ،كاتب معروف وصاحب بصمة مختلفة في الكتابة العراقية المعاصرة..ولعل سؤال العنوان وتركيبته يعطيك المفتاح للتعرف أكثر على الكاتب وفلسفته في الكتابة. ولديه مجموعة عناوين آخرى منها( طفولة وأنوثة وممثلة فرنسية ،قصص،--العودة الى مدن الكنز،رواية--برجيت باردو وغلاف مجلة، رواية--غراميات حسن برسيم وزبيدة ثروت، قصص--البيتلز يشترون مقابر في الكوت،رواية--توراة المتنبي،رواية)..
الزمن الروائي.
تقول الدكتورة سيزا قاسم، في كتابها (بناء الرواية، دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ)."ويتجسد الزمن التاريخي في النص الروائي في صور مختلفة منها استخدام الوقائع التاريخية التي تقع في الفترة الزمنية التي اختارها المؤلف إطارا لروايته معالم على الطريق يستطيع القارئ أن يتعرف عليها كوسيلة لعكس الواقع الخارجي في النص التخييلي- واستخدام الحوادث التاريخية كخلفية للرواية"..وقد برع الروائي (نعيم عبد مهلهل) في استدعاء لحظة تاريخية محددة ،تتمثل في حادث غرق كنز من التحف والتماثيل الأثرية،تعود إلى الحقبة الاشورية ،حيث يعتقد أنها غرقت بينما كانت محملة على زوارق كبيرة في نهر دجلة" وفي عام 1961 جاءت إلى العراق بعثة آثارية يابانية برئاسة الدكتور نامي ايكامي للتحقيق والبحث، ومن بعض نوادر التعليقات وقتها قول لضابط بحرية كلف بمهمة إنقاذ الآثار الثمينة ولكن لم يفلح :إن آدم أراد أن يستعيد بضاعته المسروقة ،وهو يقصد أن الزوارق غرقت قرب مكان الشجرة المقدسة التي اسمها (شجرة آدم)--رواية اوروك هايكو الغرام على فم جلجامش"..يستدعي السارد هذا التاريخ بسحره وغموضة، ويغمسه بريشة فنان في واقع مفتوحة أزمنته ومستغرقة في سؤال الماضي والحاضر والمستقبل بين الشرق الأوسط والشرق الأدنى والغرب ورؤيته للشرق المتخيل وامرأة جذورها أفريقية تلتقي في أرض أوروك ،بالحاضر الياباني وأزمنته مابعد تاريخ الحرب العالمية الثانية وللبحث عن كنز مفقود للياباني وهناك المتخيل الشعبي عن استحواذ الغرب على كنز الأرض "بين أعضاء البعثة ،طالب في السنة الأخيرة من كلية الدراسات الشرقية قسم الآثار في جامعة طوكيو يدعى ميشيما يامازاكي،كان من المعجبين بنصوص جلجامش ،وقد كان يحث رئيس البعثة على الصبر والبقاء وقتا أطول في رغبة منه للسماح بين الحين والآخر للذهاب الي أوروك ،ليطلع على مايعتقده أنه يمكن أن يكون قريبا من بطل الأسطورة السومرية ويكتسب من خيال المكان رغبته المعرفية بتعلم طرائق الايحاءات الإيمائية التي يمارسها الكهنة للسيطرة على البشر-- رواية أوروك".تختزن اللغة المحكية على بساطتها مخزونا وافرا من المعلومات وربطا وثيقا بين مكان سومري في أرض العراق، ومكان نفسي وثقافي وديني يحمله طالب ياباني في بعثة تبحث عن كنز مفقود..وحفلت الرواية  كذلك بسردية تنتقل بين تاريخ مفقود هو الكنز نفسه الغارق لما فيه من ثقافة مكانية ومتعة بصرية تتمثل في الآثار الموجودة ومطموسة داخل الأرض وكذلك فوق الأرض لكنها غير مؤثرة في الواقع المعاش"منذ تلك الأيام خفت في ميشيما اللهفة التي تسكنه هو ورجال البعثة من أجل العثور على الكنز  الغاطس في القاع الطيني ،تعلق برحلاته الأسبوعية إلى أوروك التي وفر له الطريق إليها متعة مشاهدة بيئة الأهوار ،وكانت متعته الجميلة التي تسكنه ،دهشة أهل الأهوار(المعدان) بهيئته وملامحه وهم يرون الوجه الياباني الصغير الذي لم يألفوا رؤيته --رواية اوروك"
ملتقى وحضارة..
يلعب السارد بالزمن رغم تحديده في المفتتح له، ولكنه غارق في حاضر سردي ،يحاصره دائما ممانراه من رمز وإشارات دالة على هذا الزمن المفقود،"ظلوا يعتقدون أن الصناديق تحتوى آثارا لمدن آشورية وبابلية وسومرية تكفي لملء أربعة متاحف ،وأنها تمثل النتاج الفني والفكري والديني للكثير من حضارات وادي الرافدين--رواية اورووك هايكو الغرام على فم جلجامش" يستوحي السارد التاريخ في اكتشاف الإنسان وثروته الثقافية ودوره الحضاري سابقا مع رمزية للواقع المعاش تلقي بظلالها الغائمة على البعثة الفنية الساعية لإنتشال الكنز--كنز غارق وثقافة غائبة والحوار يدور في كل فصول الرواية بين أغراب من قارات بعيدة عن أرض العراق ،والمفارقة أن لقاء الأغراب يتحول إلى حب وغرام .واستفاد الروائي (نعيم عبد مهلهل) من المكان التاريخي واتخذه مسرحا مفتوحا للحدث،والرواية تستلهم من المكان التاريخي عبقه،"قال له البروفسور:هناك هايكو ياباني قديم يقول:
ظل الصديق مثل ظل الشجرة غرام
الضوء فيه عناق وخطوات لص.
كان انكيدو ظلا لجلجامش الذي كان شجرة أوروك.كن انت انكيدو للمكان الذي لايأمن إليك فلربما تحصل منه على مايجعلك محميا ،فأنت آت مع دبابة ،أما أنا فأتيت مع بعثة أثرية، لهذا احذر كي لاتؤذيك نظرات الناس فقد تتحول النظرة إلى رصاصة-هاهي مفرزة الجنود تحرسه بتناوب كل الليل، وعلى مصباح صغير يسهر ليله ليكتب ماخطر له في النهار وهو يتجول بين الأطلال والمعابد وبقايا لبيوت يقولون :إن أهل أوروك كانوا يسكنوها،وأتى بعدهم أكاديون وبابليون ،وربما بعضا من سرايا الإسكندر عندما فكر أن يغزو بلاد فارس عبر جهة الأهوار--رواية اوروك هايكو الغرام على فم جلجامش"


مراوغة التاريخ..
حرص الكاتب ان يضع التاريخ والمكان التاريخي، (شاهدان) على زمن الرواية ،وهو أيضا زمن مفتوح لايقف عند وصول بعثة أجنبية وبحثها عن كنز مفقود، ولاعند بعثات تعمل على اكتشافات بترولية ،بل أزمنة سياسية عراقية ،وحروب متتاليات على نفس البقعة بحيث يصبح حتى تاريخ بعثة البحث عن الكنز والتقاء الماضي بالحاضر بمذكرات (ايشو)  والبعثة الالمانية يتحول إلى تاريخ لايمت بصلة إلى الراهن في لا إنسانيته وغياب الحوار بين الأماكن والحضارات .. "رغم أن الألمان لم يجيئوا إلى المكان منذ سنوات طويلة" لكنهم تركوا تأثيرهم على (الحارس دشر ) "والبعثة الألمانية أيضا تركت بصمتها على(دشر وابنه ومافعلته التكنولوجيا الحديثة في دخول اللغة الألمانية إلى بيتهم ودراسة ابنه اللغة الألمانية)
استطاع الروائي العراقي(نعيم عبد مهلهل)  أن يكتب سردية مبهرة وبأدوات بارعة من لغة وسرد قصصي وجعل التاريخ القديم بؤرة ضوء يتحرك منها وإليها السارد زمانيا ومكانيا ولذلك ظلت (اوروك) حاضرة في كل لحظة وسكون وكل كلمة ومعناها في تناغم وتسلسل للأحداث احتوى كل مامر على العراق في العصر الحديث دون لغة مباشرة أو هتافية..الرواية غنية سرديا مع لغة واضحة لم تجنح إلى تعقيد أو لغة باطنية تحتاج للتأويل ورغم هذا الوضوح آلا أنها مليئة برمزية والواح تتعد فصول ابجديتها السردية ،وإذا أراد السارد اكتشاف المكان القديم من خلال بعث الماضي القريب والبعيد وبماتركته كل بعثات التنقيب عن الآثار المغيبة عن إنسان الحاضر رغم وجوده المكاني إلا أن مفتاح ذلك لهذا الانسان الغارق في حاضره البائس ،هو تذكيره بأنه ينتمي الي أوروك وجلجامش"هو ملك تاريخي لدولة الوركاء السومرية-" رواية ( اوروك هايكو الغرام على فم جلجامس) هي ضد السائد والمألوف في الرواية العربية ويبدأ التجريب من عنوانها وفكرتها ولغتها وكونيتها في حضور وحوار إنساني بديع يدل على.إبداع كاتب متمكن من ادوات الكتابة ومعرفة وثقة بالنفس..