ثلاثية التجنيس في العتبات الموازية 

ثلاثية التجنيس في العتبات الموازية  في نص (للآخرين قصائد ولوجه إلزا) لمحمد نجيب محمد علي (1/2)                                        د. عبدالقادر جبار " العراق "  هل يمكن اختصار التجربة الشعرية بقصيدة واحدة ؟ هذا السؤال طالما كان موضع بحث من قبل النقاد والدارسين ، وكانت الاجابة عليه  تتجه الى طريقين مختلفين فهناك من يذهب الى القول : انه بالامكان اكتشاف الشاعر من خلال قصيدة واحدة لأن الخلق

ثلاثية التجنيس في العتبات الموازية 

ثلاثية التجنيس في العتبات الموازية 
في نص (للآخرين قصائد ولوجه إلزا) لمحمد نجيب محمد علي (1/2)

                                       د. عبدالقادر جبار " العراق "

 

 

 

 

 

 هل يمكن اختصار التجربة الشعرية بقصيدة واحدة ؟ هذا السؤال طالما كان موضع بحث من قبل النقاد والدارسين ، وكانت الاجابة عليه  تتجه الى طريقين مختلفين فهناك من يذهب الى القول : انه بالامكان اكتشاف الشاعر من خلال قصيدة واحدة لأن الخلق والابداع والقدرة على انتاج لغة مغايرة يمكن أن تتحقق في اي قصيدة للشاعر وأنه أمّا أن يكون شاعراً أو لايكون ، أما الاتجاه الآخر فيذهب إلى أن لكل قصيدة ظروفها ولا يوجد نص يشبه الآخر ، ولكن مع ذلك كانت هناك اتجاهات عند العرب القدماء تذهب إلى ترجيح قصيدة ما لشاعر معين على نتاجه الآخر ، لهذا عرف النقد العربي القديم ( شعراء الواحدة ) ، وهم أولئك الذين اشتهروا بقصيدة واحدة ، حتى وان كان لهم غيرها ، أي أن شعرية الشاعر يمكن أن تبرز من خلال نص واحد ويقرر النقاد في ضوء هذه القصيدة موقع الشاعر بين أقرانه وطبقته  ، وفي ضوء هذا الموقف وجد إبن سلام أن طرفة بن العبد أشعر الناس واحدة ، أمّا ابن الانباري فوجد في عمرو بن كلثوم ، والحاث بن حلزة ، وطرفة بن العبد ، أشعر الناس في قصيدة واحدة طويلة . وهذا الموقف النقدي يشير بشكل واضح أن المنجز الشعري يمكن أن يُقرأ من خلال قصيدة واحدة ، وهي قراءة أفضل من القراءة الانتقائية التي يختار فيها الناقد ما يشاء من الشعر لتوكيد صحة فرضية أن الشاعر المدروس شاعر مجيد أم لا ، كما حدث ويحدث في النقد العربي الحديث والمعاصر  ، لذلك   حاولت فحص هذه الفرضية (الشاعرية من خلال قصيدة واحدة متكاملة ) ، واخترت واحداً من الشعراء من أجل تطبيق فرضيتي  على نص من الشعر السوداني ، فطلبت من الشاعر نجيب محمد علي قصيدة تمثل مشروعة الشعري ،  فبعث لي مشكوراً  قصيدة من نمط التفعيلة ، وبذلك وجدت  ان مشروعة الشعري ( كما يتمنى ويسعى هو )  ينتمي إلى الايقاع العربي الموروث في القصيدة الحديثة والمعاصرة ، ولكن هذا الانتماء لا يمكن له أن يمثل حقيقة ابداعه الكلي ، فعملية الابداع أشد تعقيداً وأكثر اتساعاً ، وقد عرف التاريخ النقدي العربي هذه القضية في الاتجاهات التي نظر فيها النقاد العرب من أجل تفسير هذه الظاهرة ، .لذلك نجد أن هناك من النقاد العرب القدماء من ذهب الى أن الابداع هو الاتيان بالمعنى المستظرف الذي لم تجر العادة بمثله ، وذهب الفكر الغربي الحديث إلى أن الابداع العمل أو الفعل الذي يؤدي إلى الدهشة والاعجاب وبذلك ربط (برونر) وهو الذي عرف الابداع على هذا النحو بين النص والمتلقي ، أمّا بارتلت فقد عرف الابداع بالتفكير المغامر الذي يتميز بترك الطريق المرسوم مسبقا والتخلص من القوالب المصاغة والاقبال على التجربة واتاحة الفرصة للشيء لكي يؤدي الى غيره ، وفي هذا التعريف طرح بارتلت قضية في غاية الاهمية مفادها أن الابداع لا يتحقق الاّ بتحوله إلى نمط مؤثر ، وهي علاقة طالما أهملها النقد العربي بسبب التركيز على الجدة والمغايرة فقط ، فالمبدع هو القادر على جعل الابداع متبوعاً مثلما هو القادر على التجديد في الشيء ذاته  ،  وقد يكون من المناسب هنا القول أن النقد العربي غالباً ما اعتمد المقاطع في تحليل تجربة الشعراء وهذه الطريقة الانتقائية في التحليل والنقد لا يمكن أن تكون ذات جدوى لأن النص فيه من المقاطع ماهو شعري وفيه مناطق تنخفض فيها اللغة الى المألوف (أي مناطق غير شعرية ) ،وعلى الرغم من وجود هذه المناطق  فإن الذي يمنح القصيدة شعريتها ذلك التعاضد والتكافل بين عناصر القصيدة وبنياتها المختلفة ، لهذا توجهنا الى تحليل النصوص بكليتها لتكون القراءة اكثر موضوعية وعلمية  والقصيدة التي اختارها الشاعر نجيب بعنوان ( للأخرين قصائد ولوجه الزا ) . والعنوان يوحي ان هناك صراعا ً  بين طرفين مختلفين في الذات  وهما (الاخر والحبيبة)  أي أن إلزا ليست الآخر الذي قصده الشاعر في العنوان ،  والتأويل المحتمل هي الذات لأن ورود إلزا في العنوان يحيل إلى قصة الحب الشهيرة بين الشاعر اراغون والزا  إذ عرف الادب العالمي قصة الحب هذه وأثرها على الشاعر آراغون الذي ترك فرنسا وذهب الى موسكو من أجل إلزا ، وكيف أثرت فيه لأنها كانت السبب في ترك اتجاهه السريالي في الشعر وتبني الماركسية فكانت ملهمة آراغون الذي قال لها بعد ارتباط الحب : لقد بدأت حياتي بحق في اليوم الذي قابلتك فيه : في 6 نوفمبر 1928 في بار كوبول في باريس  .. وهذا يعني أن إلزا شكلت له الذاكرة والحياة والوجود لأنه ترك فرنسا وعاش في موسكو من أجلها والهمته أجمل القصائد ، تلك بعض الإحالات التي وفرها النص الموازي لقارئه ، وهذه الإحالات تستلزم معرفة بإلزا لكي يكون التأويل أقرب إلى مقصدية النص لذلك أوضحنا موقعها في ذات آراغون الشاعر  ، من هنا يبدو أننا استطعنا الحصول على دليل في العنوان الذي يشكل النص الموازي ، وهذا النص الموازي  مرتبط بنص موازٍ آخر في  النص وهو (الهامش ) الذي وضعه نجيب في منتصف المتن عنواناً لمقطع آخر  ، وإذا كان العنوان في ضوء ما أشرنا اليه يمثل أول مواجهة مع النص وهذه المواجهة تستلزم قراءة تتسلح بمرجعيات فكرية وتاريخية وثقافية خاصة  فلا بد من الإنتباه إلى حركة العنوان في النص (المتن والهامش ) ، لأن العنوان كما يقول ليو هوك ليس مجرد خادم في النص الشعري وتابع له ، لأن نظرتنا هذه قد تؤدي بنا  لأن نخسر رهانات كثيرة في قراءتنا خاصة إذا مررنا   بسرعة عليه ، فالعنوان بنية منفصلة ومرتبطة متفاعلة ومتصلة مع متن النص وبنياته ، فكيف إذا كان العنوان يستحضر حدثاً فكرياً وثقافياً وشعرياً كالذي حدث بين اراغون وإلزا كما ورد في عنوان قصيدة نجيب ؟ .  إن الشاعر الحديث عندما يحاول اختصار النص وتكثيفه يصطدم بدلالة العنوان ، فالتعبير والايحاء والاكتفاء والتمثيل والاحتواء كلها عناصر يبحث عنها الشاعر ليبدع العنوان ، والابداع في العنوان متحقق في العناصر التي ذكرناها سابقاً ، لذلك فان سؤال العنوان في النص يعد مواجهة لاتقل أهمية عن سؤال الشعر إن لم تكن تفوقها خطورة ، وهنا لا بد من السؤال عن الكيفية التي صمم فيها نجيب قصيدته ليبعث الشعرية في كلية النص ؟ .
لقد  أنتج نجيب في هذا نص ( للآخرين قصائد ولوجه إلزا ) ثلاثة نصوص الأول العنوان والثاني المتن والثالث الهامش ، ومبدأ الهامش يقوم على أنه الميتالغوي في النص ، أما العنوان فهو النص الموازي للمتن ، وهنا أدخل نجيب نصه  بثلاثية التجنيس ودفع القراءة إلى ضرورة التمييز بين الشعري واللاشعري أو( النثري ) ، وهذه الثلاثية التجنيسية تعتمد العناصر الآتية 1- العنوان : يحتمل أن يكون شعرياً موزوناً أو غير موزون 2- المتن شعري موزون  3- الهامش نثري غير موزون . هذه الثلاثية تمثل الشروط الموضوعية التي تقوم عليها الدلالات في النص الحديث في ضوء العرف النقدي أو شروطه الموروثة  ، لكن نجيب غير المعادلة في نصه ، فالعنوان عنده نثر والمتن شعر والهامش شعر بقياسات قصيدة التفعيلة المعتمدة على الوزن ، وعلى هذا الاساس  اشتغل نجيب على هذه الثلاثية مكرساً دلالة الآخر المعشوق في النص على أنه ممثل لذات مندمجة بالشاعر وهي مبعث الشعر   ، وهذا الآخر يحتمل تأويلات مختلفة ممتدة من الوطن إلى الحبيبة ، وقد أفاد نجيب من التشكيل البصري الخاص بالسطر الشعري في قصيدة التفعيلة ومن السطر النثري وبذلك حقق الايهام الظاهري في القراءة ليبدو السطر شعراً من حيث التشكيل ، في حين يبدو السطر النثري غير موزون ولكن السطرين في تشكيلة القصيدة ينتميان الى شعر التفعيلة الموزون ، وبهذا شكلت النصوص الموازية  بنية كسر توقع للقارئ ، ولكن مايثير الانتباه أن بنية العنوان تتحدث عن آخر وذات منقسمة في الداخل بين الأنا والحبيبة التي يشير العنوان الى أنها في موضع الحلول في الأنا لذلك تبدو هذه القصيدة معبرة عن ذات منقسمة  بين حبيبة واخر ؟ وحين قدم العنوان الآخر في ترتيب مفرداته كأنما أراد أن يشير في قراءة البنية الظاهرة ،  أن الاخر اكثر تأثيراً في الذات  من الحبيبة المنفتحة الدلالة على اتجاهات مختلفة   ، وهذه العلاقة الملتبسة لابد أن   تثير الدهشة في التلقي  لا نها تخرج عند نمط العلاقات الانسانية المألوفة  والتي تشكل الحبيبة فيها اول الاهتمامات . تلك هي بعض دلالات العنوان وعلاقته بمتن النص والهامش فكيف اشتغلت علاقات القصيدة في ضوء ثلاثية التجنيس الملتبسة ؟ هذا ما نحاول الاجابة علية في المقال القابل .