قراءة نقدية

قراءة نقدية أ. خالد أبو بكر  #رواية_سايكو 1 إطار فكرتها العامة تدور حول مرض التوحد مع موازاة فعل الحب كآلية تعقيد في النص يمنح الفكرة النهائية، وعلى هذا الأساس تُقيم مدى مقبولية تمازج الفكرتين شكلاً وموضوعاً.

قراءة نقدية

قراءة نقدية
أ. خالد أبو بكر 

#رواية_سايكو

 

 

 

1
إطار فكرتها العامة تدور حول مرض التوحد مع موازاة فعل الحب كآلية تعقيد في النص يمنح الفكرة النهائية، وعلى هذا الأساس تُقيم مدى مقبولية تمازج الفكرتين شكلاً وموضوعاً.

ففي البدء أرى أنها تجاوزت الموضوعات المتكررة التي 
ظهرت في الآونة الأخيرة فكان مرض التوحد هو موضوع مغاير أراد المؤلف - عبد المنعم عبد الرحيم- ويمكن إستصحاب خلفيته الطبية في تقييم جودة العمل الأدبي.

رغماً أن الحب يدخل في النص كدافعٌ لحركية النص لنهاياته ومغزاه الأخير، يزيد الحبكة من إرتباكها التي تلعب على مشاعر المتلقي.

2
أعيب على الرواية إفتقارها المعلوماتي عن موضوع التوحد، فقد كانت عدة سطور تعرف المرض لا غير، لكنها لم تتناول كافة الأبعاد عن التوحد المُراد إيصالها للمتلقي، ما دام انه قد طُرِقَ موضوع مهم يراد ان يرفع عنه غطاء الإهمال، وجعل المتلقي ان ينتبه له، ويعطيه إهتمامه عبر إيصال الشعور والإدراكات بالنسبة لمرضٍ كهكذا.

وإيصال المعلومات في النص الأدبي له عدة تقنيات، منها الإيراد المباشر كالتقرير الصحفي، او على عيون وألسنة شخوص النص، أو ذكر التمظهر السلوكي لهذه المعلومات، حيث كمثال هذه الرواية، يودُّ القارئ أن يعرف كيف يشعر المتوحد إزاء تعقيدات مختلفة تواجهه في الحياة، مهمة الأدب فيها أن تكشفها بصورة إبداعية حوارية كانت أو سردية.

3
الإهتمام بعتبات النص فنٌ حديث لجذب القارئ، وتجويد العمل له، وعلى هذا الأساس كان الغلاف كتصميم مناسبٌ مع العنوان والمضمون، فهي دلالة على الصعوبات النفسية التي يواجهها المتوحد من طريقة جلوسه وإحناء رأسه كدلالة على التفكير.

لكن نهاية الغلاف فيه مقتبسٌ وهو عادةٌ يعطي لمحة مقتضبة عن الرواية، الإشكالية أن المقتبسُ ليس من الرواية، إنما من المقدمة التي إقتبسها المؤلف من كاتبة أخرى تناولت ذات الموضوع، وهو عندي من باب الإهمال وعدم تعزيز استقلالية النص الروائي وتضمين جزء منه في نهاية الغلاف ليشرح نفسه ، فأُستعين بنص خارجي وهو إستضعاف يمارسه المؤلف على نصه.

4
وضع المؤلف الحبكة في مساق موت الأم ، ومن ثم زوجة الأب القاسية.
وعليه في هذا الإطار تزداد معاناة المتوحد زيادة على مرضه، فعادةٌ الوالدين هما العتبة الأولى نحو تأهيل المعاقين نحو المجتمع؛ لذا فقد أحدهما خصوصاً الأم، التي هي في الواقع والنص ذات صلة وثيقة بالبطل( خالد).

وعلى أساس هذه الحبكة الفصول من الثاني للخامس تناولت بتعمق الأثر النفسي لـ خالد جراء فقد أمه، وهو ما يُسمى التعمق الداخلي في الشخصية جراء حدث خارجي، والغرض منه في هذه الحالة تبيان شئ من معاناته ومناقشة إجتماعية لحالة المتوحد عندما يفقد أحد الوالدين خصوصاً الأم، بالإضافة للنمط التقليدي برسم زوجة الأب بالقسوة، مضيفاً المعاناة درجةً ثالثة لخالد؛ وبناءً على مسار زوجة الأب تجاهه، نشأ فصلٌ جديد من الرواية يتعلق بالمصحة النفسية، لذا يفهم داعي وجود قسوة زوجة الأب.

لكني أقف على النقطة الرابطة بين الحبكتين والإنتقال للمصحة النفسية حيث نجد في ص 29 اتخاذ خالد لقراؤ دخول المصحة النفسية أثناء حوارٌ له مع الفتاة التي أحبها.

وهنا ينشأ سؤال:
- هل يمتلك المريض بالتوحد الإدراك الذاتي الذي يجعله يتخذ قراراً بدخول المصحة، رغم الضغوط النفسية التي يجابهها من الزوجة والمجتمع( والذي لم يتبدى هذا الضغط في النص)؟

5
في الجانبِ الآخر من القصة هناك الفتاة آلاء وضعها المؤلف كمقابل إجتماعي رافض للمريض النفسي عموماً الذي تمظهر هنا في المتوحد، ويعتبر الزواج أعلى تمظهرات التقييم الإنساني للآخر وكذلك الحب، فهنا يود المؤلف استدلالاً ان يظهر الذهنية الإجتماعية في عينة الأب الغير معترفُ للمريض بالتأهيل والتداخل مع المجتمع وممارسة الحقوق الطبيعية كالحب ، الزواج مثلاً.

بلاشك هناك مسارين عادةً لهكذا حبكة إما المقاومة من قبل الفتاة أو الاستسلام، وإختار المؤلف الصدمة لتوصيل الشعور للآباء بأن البنت التي تحب مستعدة أن تنتحر.

هذا التكتيك الأدبي هو نوعٌ من المخيال المعالج للمشاكل وإدخال الشعور في الصدمة من خلال إتباع أكثر الطرق تطرفاً مقاومةً للمقهور حتى يأتي بحقه.

لكن هذا لا يعفي أبداً إفتقار النص لمسارات متعددة تظهر إمكانية تعامل المجتمع مع المتوحد خصوصاً، والمريض النفسي عموماً عبر ذات آلية الصدمة/الإنتحار / الدخول للمصحة النفسية كأثر مضاد لضغط المجتمع، والذي لم نره في النص من خلال تعاملات مختلفة للبطل مع عينات من المجتمع.

6
ما نقصده بالتعددية والإنتقال المتراتب لعرض كيفية التعامل مع المريض النفسي من قِبل المجتمع - الذي إفتقرناه-، يظهر كتقنية في الفصل ما قبل الأخير حيث أظهر المؤلف براعته في التناول المتعدد للحكايات داخل المصحة النفسية ولعدة شخوص، حيث يشترك كلٌ من المريض النفسي، الطبيب، البطل خالد في رواية الأحداث كسيمفونية جميلة تظهر جانباً من الآثار النفسية التي تظهر في المصحة النفسية، وكمُّ المعاناة النفسية التي هي داخل عدد من شخوص المجتمع جراء ظروف مختلفة، وهو ما يرمى في المغزى العام، وهو تبيان المرض النفسي للمتلقي وجوانبه.

7
الفصل الأخير فيه جمال تقني أيضا كالذي يسبقه من حيث انها تقنية سينمائية نجد أن الصوت إنتقل في كل مرة لشخصية من شخصيات النص حتى توضح الدواخل الوجدانية بكل صدق تجاه فعل الإنتحار من قبل الفتاة، ومن ثم تجاه الصدفة التي جعلتهم يتقابلون.
هنا رأينا بصدق كيف أثر فعل الإنتحار الذي لم ينجح في تليين قلب الأب تجاه رؤية إبنته التي أرادت إثبات وجهة نظر مضاد للإجبار على الزواج من شخص معاير لمن تحبه وإن كان مريضٌ نفسياً.

ما يُستغرب حقيقةً كيف إنتهى النص لإنتحار البطل خالد كنتيجة حتمية جراء مرض التوحد.
برر المؤلف لهذه الخطوة في ص 74 حيث قال على لسانه:
( لقد تغيرت كثيراً، أظنها لم تعد تهتم بصحتها ولا جمالها، إثر جروح بالغة على جسدها، أظنها قد عانت كثيراً، لقد كنت على حق حين حذرتها مني، الآن أعود إلى نقطة البداية، الأماكن، الماضي، إني أعود إلى حيث كل شئ أسود...)

في البدء لا أجد علاقة بين تغير الفتاة التي يحبها وبين هذا السواد الذي إجتاحه.

هذا السبب ليس مقنعاً كافيا ولا مؤدياً لحدوث الإنتحار عند النظر في الخلفية المرضية المتعلقة بالتوحد للبطل.

عليه تكون النهاية غير منطقية.

- أنتهي بأهم نقطة وهي التأهيل الإجتماعي للمريض النفسي، علمياً يقصد به إندماج المريض مع المجتمع وممارسة الحقوق الطبيعية العادية للفرد رغماً عن الإعاقة التي تواجهه.

فيما يخص مريص التوحد فتعريفه عدم إدراكه للمشاعر والمجاملات الإجتماعية، وتأهيله هو إكسابه الشعور حيث ظهر في النص بإكسابه شعور المحبة تجاه الفتاة شيئا فشيئاً من إطمئنان الى الحب.

لذا يبقى الحب عامل أساسي للإندماج في المجتمع سواء أكان صراحةٌ عن طريق حبيبة، أم من المحبة العامة التي يمنحونها له المجتمع.

في النهاية الرواية تناولت موضوعاً مغايراً وبها عدد من التقنيات الكتابية التي ساعدت في دفع الحبكة إلى الأمام، ووجود بعض الهنَّات في بِنية الحبكة مدى مقبوليتها موضوعاً كنهاية النص.