رواية فشودة للكاتب احمد حسب الله الحاج

رواية فشودة للكاتب احمد حسب الله الحاج قراءة التاريخ..  سيرة  المكان والزمان  عامر محمد احمد حسين تقول الصحفية البريطانية  "فلورا شو" فى كتاب "الزبير باشا يروي سيرته فى منفاه بجبل طارق -تعريب خليفة عباس العبيد" " في أواخر اللقاءات، علم الباشا أن فى نيتي أن أقوم بنشر ماسمعته منه،  أو منحنى إذنه،  بذلك وعليه بالامكان أن تؤخذ القصة على أنها  سرد تقريبي، لماروي به شخصيا قصته بترو وتمعن وعمد تام.  ولعل من سوء الحظ أن الباشا لم يكن يتحدث أية لغة أوروبية، وأن محادثاتنا كلها تجري  عن طريق ترجمان إسمه "أحمد " كان حظه من الصبر والاناة كبيرا،  بقدر ماكانت حصيلته من الانجليزية قليلة" ومن الواضح أن رواية الزبير بقراءة مقدمة الآنسة "فلور شو" أخذت نصيبها من الخيال حتي تكتمل فراغات الترجمان "أحمد "وتشير فلورا إلى ما أحست به من حديث الزببر وترجمة أحمد "كان لدى إحساس قوي بوجود تباين ومفارقات بين

رواية فشودة للكاتب احمد حسب الله الحاج

رواية فشودة للكاتب احمد حسب الله الحاج
قراءة التاريخ..  سيرة  المكان والزمان 
عامر محمد احمد حسين


تقول الصحفية البريطانية  "فلورا شو" فى كتاب "الزبير باشا يروي سيرته فى منفاه بجبل طارق -تعريب خليفة عباس العبيد" " في أواخر اللقاءات، علم الباشا أن فى نيتي أن أقوم بنشر ماسمعته منه،  أو منحنى إذنه،  بذلك وعليه بالامكان أن تؤخذ القصة على أنها  سرد تقريبي، لماروي به شخصيا قصته بترو وتمعن وعمد تام.  ولعل من سوء الحظ أن الباشا لم يكن يتحدث أية لغة أوروبية، وأن محادثاتنا كلها تجري  عن طريق ترجمان إسمه "أحمد " كان حظه من الصبر والاناة كبيرا،  بقدر ماكانت حصيلته من الانجليزية قليلة" ومن الواضح أن رواية الزبير بقراءة مقدمة الآنسة "فلور شو" أخذت نصيبها من الخيال حتي تكتمل فراغات الترجمان "أحمد "وتشير فلورا إلى ما أحست به من حديث الزببر وترجمة أحمد "كان لدى إحساس قوي بوجود تباين ومفارقات بين الحديث الذى كان يقال وببن ماسمعته من المترجم، وقد حاولت أن اقلل من شأن أثر ذلك" وفى قراءته لرواية "إميل حبيبي " " الوقائع الغريبة فى اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل" يقول الدكتور شكري عزيز الماضي فى كتابه "أنماط الرواية العربية الجديدة " " تهتم  الوقائع الغريبة، اهتماما كبيرا بالمادة التاريخية، فالاحداث التاريخية فبها بمنزلة الشرايين التى تمد الرواية بالحركة والحياة، لكنها ليست رواية تقليدية،  فالكاتب ضئيل التصرف بالأحداث التاريخية وهي يعرضها فى خطوط غير مرتبة، بالمرة في إطار الحقيقة الخالية من الكذب والمبالغة.  أضف إلى ذلك  أن اهتمام الرواية ينصب بالدرجة الأولى على اللحظة بالرغم من وفرة المادة التاريخية "
فشودة:
تتوافق رواية فشودة للروائي الدكتور أحمد حسب ألله الحاج مع قراءة دكتور عزيز الماضي لرواية إميل حبيبي، اذ تتوفر المادة التاريخية فى كل صفحاتها، بل أنها رواية تاريخية مكتملة،  من حيث الزمان والمكان -الأحداث -الوقائع - الشخوص - وإن كانت اللغة اكثر عصرية من مفردة القرن التاسع عشر حيث تدور اغلب وقائع الرواية. استخدم الكاتب تقنية "القطع السينمائية " أو الاسترجاع او الفلاش باك "انقطاع التسلسل الزمنى أو المكاني للقصة أو المسرحية او الفيلم لاستحضار مشهد أو مشاهد ماضية تلقى الضوء على موقف من المواقف اوتعلق عليه، تقنية كانت مقصورة على السينما إلا أن الكتاب، وظفوها فى الأدب المسرحي والشعر والأعمال الروائية "
مابعد المسكوت عنه
نقول دائما بالمسكوت عنه لتعريف مشاكل اجتماعية، قديمة او حديثة  وتبدأ  رواية "فشودة" فى الإفصاح عن المسكوت عنه بزاوية نظر فبها الكثير من الجياد السردي وايضا صورة الراهن المتشظى وهذا ممايغري بالسؤال عن بعض الإسقاط السياسي لروايات أخرى اتخذت من باب المباشرة بوابة الوصول للقارئ دون اهتمام بالخيال او الخلق الفني. وفى رواية فشودة تشكلت من حيادية السرد لغة سردية ترتكز على إنسانية تتجلى فى صورة البطل "علي جفون " وهى صورة مقهور عندما انته السلطة لم يتحول إلى  قاهر وعندما امتلك السلاح لم يتحول إلى قاتل.  بطل فخور بقبيلته وثقافة المكان الذى فيه ولد..  يحكي عن مجتمعه واحبابه بمحبة متسامح مع ماضيه وحاضره مع الاحتفاظ بروح وثابة وقلب من حديد ولكنه ملئ بالمحبة.  الثقافة الجديدة التى اكتسبها لم تزده إلا تواضع، "علي جفون "هذا الكائن الاسطوري، فى ملامحه وأخلاقه فى كل مراحل حياته،  كانت تقوده ثقافته الأولى التى اكتسبها من أهله. بلا شك قضية الرق  فى المجتمعات الانسانية قديمة وكانت دائما بوابات هذه الظاهرة اللاإنسانية هي الحرب والنزاعات ودخول العامل الاقتصادي فى أزمنة الاستعمار.  وكل ماتقدمت الإنسانية تبدأ حقبة "المفصح عنه" وهذه الفصاحة فى معالجة الظلم تصبح واثقة من المستقبل زادها مسار طويل من عذابات الإنسانية... تقول الدكتورة "يمنى العيد" فى كتابها "فى معرفة النص " " من هذا العالم كمتخيل يأتي الكاتب إلى الكتابة،  والذاكرة التى هى ذاكرة الفرد، هي ذاكرة الواقع المادي والاجتماعي فبه.  إنها نهوض هذا الواقع إلي مستوى عالمه فى الذاكرة، إنها تخيله ومتخيله، نقول تخيله لنشير إلى العلاقة بين الفرد والواقع المادي الاجتماعي، التى بها ينهض المتخيل، يستوي مستقلا وليس معزولا - في الذاكرة ونقول مخيلة لنشير لهذه الاستقلالية فى إطار علاقة الكتابة به. " 
ورواية فشودة عدد صفحاتها 329 صفحة من القطع المتوسط، اعتمدت الرواية على تاريخ معلوم بالضرورة للقارئ،  إلا أن هذا التاريخ لما احتواه من مآسي،  ظلت حركة رسمه البياني سرديا ضعيفة لكتابة تاريخ سردي لهذه الحقبة التاريخية، استخدم الكاتب أحمد حسب ألله، تقنية سردية ترتكز على -بطل واحد فردى - ظل صوته هو الأعلي، هو "علي جفون " وكان أقرب إلى مسرح الرجل الواحد والمونودراما من اشكال المسرح التجريبي التى تطورت واتسعت،  وجاء فى تعريفها " فن من الفنون الدرامية، قائمة على ممثل واحد، يسرد الحدث عن طريق الحوار، كما أن الموندراما هى مسرحية يقوم بتمثيلها 
ممثل واحد يكون الوحيد الذى له الكلام على خشبة المسرح وفقط يستعين النص المونودرامي فى بعض الأحيان بعدد من الممثلين ولكن عليهم أن يظلوا صامتين طوال العرض.  "زار على كسلا فى المرة الأولى وهو جندي فى أسفل الهرم العسكري يكاد يتلقي الاوامر من الكتيبة بأسرها وعاد إليها كملازم يأمر ويطاع - وبعد ساعتين من السعي الحثيث بدأ يرى الأبقار  فى البعيد يدفعها خاطفوها نحو الجبال -  كان هناك برق يلمع فى البعيد ولكن لم يكن هنالك تهديد ماثل بهطول المطر، كان علي موقنا من أنةالرجال الذين أبقاهم طويلا خلف الصخرة قد انتهزوا فرصة الظلام ليتسللوا مبتعدين -  ظلت الشمس تواصل صعودها والظل يتراجع.، وأراد علي أن يتزحزح من مكانه فشعر بآلام حادة فى صدره وظهره "(رواية فشودة)
وصف السرد كأفق موندارمي قد يصطدم بجملة عوائق منها أن المسرح والبقية على المسرح فى "صمت "قد لاتتوافق مع السرد التخييلي فى رواية فشودة إلا أن صوت البطل الواحد "على جفون " المسيطر يزيد من جمالية المشهد السردي فى وصول تقنية الكتابة القصصية أحيانا الى مستوى صوت " الأنا المفرد" و "الأنا " فى اللغة -  إدراك الشخص لذاته او هويته.  وتعريف "المفرد " هو الأسم الذى يدل على مسماه بذاته  ودون قرينة خارجة عن لفظه.  والأنا المفرد فر السرد.  ويشير "سي بوث "فى دراسة بعنوان أنواع السرد القصصي - ترجمة د:حسيب الياس " "ربما يعتمد الأثر السردي على حقيقة فيما إذا كان الراوي ممسرحا وأنه تم عرضه كما لو أنه على خشبة المسرح ويعتمد على حقيقية أخري وهى مقدار ماشاطره المؤلف فى معتقداته وسماته وكما هو معروف فى أوساط النقد الأدبي، هنالك مايعرف بالمؤلف الضمني، إذ نجد حتى فى الروايات التي لم يتم فيها ممسرحة الراوي إنه يعمل على إيجاد صورة ضمنية لمؤلف وراء المشهد " 
الشكل:
أن قراءة الخطاب فى رواية "فشودة " يشير بداهة الى محاولة رسم صورة بيانية للمكان ومحاولة - اللحاق بالزمان من أجل وضع صورة سردية لعذابات فرد - بطل )لم ينكسر، وقع فى القيد - "الرق" فلم تنكسر الروح، قاوم وهو  من تم دفعه كثمن لضريبة حكومية، فيتحول من قيد شخص -  الى قيد " سلطة" يقول المفكر الفرنسي  الراحل" فرنان برودل" فى كتابه هوية فرنسا -  المجلد الأول -  المكان والتاريخ " خلال القرون الأخيرة للنظام القديم فإن الدولة الملكية فى سعيها الرامي الى ضبط وتوحيد المملكة قد مالت الى تشييد جهاز إداري وسياسي متزايد الوطأة بأستمرار ولكن ما أكثر المصاعب والعقبات وقوي القصور الذاتي والسلطات المضادة التى كان عليه أن يواجهها، لقد حصد النظام القديم مازرعه، لقد ورث من ماضيه البعيد خليطا من التفكك والتشوش وعدم التماسك الإداري أو العجز السافر،  ولم يكن المجتمع الفرنسي بحال من الأ حوال تحت سيطرة يد الدولة الحازمة، فما أبعد الواقع عن ذلك، ولم يكن بوسع أحد أن يقول عنه فى تلك الأيام ماقاله "آلان تورين " عن أيامنا " يصرف النظر عن مدي صوابه " أى أن كل مايصدر عنه هو مجرد صدي لصوت سيده.  بل إننا فى أيامنا هذه لسنا بأزاء مجتمع شامل " إذا ما إستخدمنا تعبير "جورج جورفتش "أى مجتمع موحد واحد تحكمه أنماط وعادات ومؤسسات  تنزع الى التماثل والوحدة "
لقد كان إيراد هذه الفقرة المطولة من"فرنان برودل "للمقارنة بين "فرنسا " التى بلغت مرحلة عالية من التحضر، وبالتالى الوحدة  الشاملة والعدل والإنصاف إلا أن قراءة " برودل " ومن إعتمد على مقولاتهم، تضحد هذه المقولة، وبالتالى يصبح الماضي البعيد فى رواية "فشودة " قراءة واقعية لمجتمعات لم تصل الى مرحلة إكتشاف إنسانية الإنسان رغم هذا الثراء العقلي والقيم الأخلاقية  فى مسيرة الفارس "على جفون" وهى تغادر على الضفة الغربية لنهر النيل فى طريقها الى فشودة " مرورا الى بالقاهرة والمكسيك وامدرمان، وكرن- وفي عصر اليوم التالي وصلوا كرن، كانت كرن مدينة يعرفها علي جيدا، ويحبها كثيرا ولكنه كان يدرك أن عليه مغادرتها سريعا، فالمدن تعاملك بطريقة وانت تدخلها سيدا،  وتعاملك بشكل آخر،  وانت تسلل إليها طريدا، 
هكذا دائما كانت المدن وهكذا ستظل "
فى هذه السردية نجد الزمان والمكان فى تلازم واضح ومتزن فى تتبع حركة سير البطل فى رحلته - إلا أن هكذا كانت المدن، وهكذا ستظل - هنأ يتجاوز الراوي العليم حدود التحيز للبطل إلى فرض رأي واحيانا فى رواية عديدة يطغى صوت السارد لدرجة ينسى معها النص وحركة شخوصه وتختفي عند ذلك جماليات السرد.  والملاحظ أن اغلب السرديات العربية فى السنوات الأخيرة واحيانا السرديات الغربية، تحاول فرض وصايا بحكم أن هذا العالم الموازي والمبني على خيال، هو صانعه إلا من شأن ذلك، خنق السرد وإدخال روح المقالة تفسد بذلك جمالية النص
تأويل تاريخ  أم اعادته
يقول الدكتور فيصل دراج فى كتابه"الرواية وتأويل التاريخ -نظرية الرواية والرواية العربية " "يتوزع علم التاريخ والرواية على موضوعين مختلفين، يستنطق الأول الماضي، ويسائل  الثاني الحاضر وينتهيان معا إلي عبرة وحكاية..  
بيد أن استقرار الطرفين، منذ القرن التاسع عشر والإبداع الأدبي، فقد ساوي الفيلسوف الألماني "لايبنتز بين غايات الشعر والكتابة التاريخية، وناشد المؤرخين أن يرتقوا إلى مصاف الشعراء، ورأى الفرنسي "ديدرو" عام 1762م فى رواية "ريتشارد سون" تقدما فى وعي التاريخ قصر عنه المؤرخون.  ولم يختلف موقف المؤرخ الإنجليزي الشهير.  ر. ج. كولنجوود، حين وزع فى ثلاثينات القرن الماضى، "الخيال الجبار " على الروائيين والمؤرخين "
وفى كتابها الخطاب تقول الناقدة "سارة ميلز" "يرى ادوارد سعيد أن البني الخطابية التى سادت القرن التاسع عشر، تشي بالطريقة التى كانت تنتج بها المعرفة بحيث ان العبارات الموضوعية فى ظاهرها كانت تنتج فى الحقيقه في سياق تقويم وتشويه،  والعبارات المحملة بالقيم عن سكان  البلدان المستعمرة، كانت تقدم باعتبارها "حقائق " لامراء فيها.  وما إن تبدأ هذه العملية، حتى تبدأ المعلومات القصصية أو الخيالية فى اكتساب صفة الحقيقه بسبب إنتاجها فى السلسلة الاستعمارية لعلاقات القوة"
برع السارد فى رواية "فشودة"فى تصدير أرق المشاعر الإنسانية حتى فى أحلك لحظات الانسان وفى معارك  إعادة "فتح السودان " بلغة القرن التاسع عشر، وإحتلاله بريطانيا وفى مرحلة ماقبل سقوط أم درمان "كان منصور ينظر إليه فى غيظ مكتوم وهو متنازع بين الإستكانة والتحدي، بين الكلام والسكوت.  وبعد صمت نظر الى "على"وسأله :
- أفهم مايفعله الإنجليز، ولكن هؤلاء السود لماذا يقاتلون بهذه الجسارة؟ 
- كيف نريدهم أن يقاتلوا؟ برفق ولين حتى تقوم أنت بقلتهم أو أسرهم وتحولهم الى عبيد مرة أخرى؟ "
فى هذا المشهد أو الحوار، تسقط مفاهيم الوطن إذ أنها تنتمي الى العصر الحديث والصراع كان صراع القوي والضعيف وإذا قرأنا أغلب مساحات هذه الرواية فإنها تستدعي حوادث تاريخية لاتزال ظلالها ماثلة فى الذاكرة ورحلة البطل "جفون "إرتبطت فى المكان والزمان بأحداث تربط الحاضر بالماضي، من القاهرة  ومحطاتها والمكسيك والاورطة مشروع بطولي "لجفون"وعلاقة مشاركة مع  أميرة، ينجح "فى إعادة مصطفى السعيد  فى بلاد أمريكا الجنوبية. وهناك الدولة المهدية وتاريخها  فى ذاكرة جفون مابين معركة توشكي وكرري. إن وصف "جفون "الذى يتبادر للذهن هو الإنسان المستلب بتوصيف العصر الحديث إلا أن هذه أوهام تستوطن العقل الحدييث عند قراءة هذا التأريخ، إذا كان تاريخا رسميا أو روائيا، إلا أن الشاهد فى الامر هو أن "على جفون "كان  ينظر إلى خلاصه الشخصي، ومن يحب من قبيلته الشلك، وهذا قدر تلك الفترة، وان ظلت ذات تأثير فى الحاضر، فإن قراءة الماضي يراد لها، أن تستوعب مجتمعات سيطر عليها عقل امبراطورية الاستعمار فى حالة تركية استولت على السودان ومصر او امبراطورية الاستعمار الأوروبي البريطاني.  لم تنشأ ثقافة جامعة لاطراف متعددة داخل كيان واحد.  لم توجد الدولة الوطنية بعد.  إلا ان استلهام هذا الماضى فى صورة الراهن لاينفك أيضا من قيد فشل الدولة الوطنية الحديثة. 
"كانت المعركة تمضي على وتيرة واحدة، الأولى عندما انطلقت  الفرقة الحادية والعشرين للرماحين تحت قيادة الكولونيل مارتين.  لتقطع الطريق على الخليفه المتقهقهر إلى أم درمان،  لتقع فى كمين حسن التمويه نصبه ألفان وخمسمائة من مقاتلي الهدندوة في خور شمبات وفى خلال دقيقتين فقط من الالتحام، قتل أو جرح خمسة ضباط وخمسة وستون من البريطانيين.  وكانت الثانية عندما سارع كتشنر بإعطاء أوامر التقدم غير منتبه لجموع من رجال الراية الزرقاء بقيادة عثمان شيخ الدين، كانوا قد توعلوا غربا إلى جوانب جبل سرغام وعادوا ليطبقوا على العدو من الخلف فوجدوا أنفسهم فى مواجهة اللواء السودانى تحت إمرة هكتور ماكدونالد.  وهناك تقرر مسار الصراع وتحد مصير المعركة "فى كتابه " النص والسلطة والمجتمع - دراسة فى علم الاجتماع السياسي " يقول الدكتور عمار علي حسن "كما أن النوع الأدبي نفسه يحدد العلاقة بين الأدب الإيديولوجيا.  فسارتر مثلا يرى أن النثر هو ميدان المعاني،  وأن الشعر لايقبل الإلتزام.  ولذا فإن الرواية هى اكثر الأنواع الأدبية حملا الأيديولوجيا،  فالمتكلم في الرواية هو دائما وبدرجات مختلفة منتج للايدلوجيا "
المراة:
قل تجد حضور خافت بمقياس الرسم البياني فى رواية فشودة للمراة لطغيان صوت البطولة وحضورها الذكوري ألا إن المراة إبنة القبيلة تمثل الوطن، الحنين، الجغرافيا، وهي جغرافية تتصاعد مع حضارة فى أرض الحبية فشودة أو فى أرض المكسيك مع أميرة.  والمرأة مع"علي جفون"بين الأم البديلة التى تغيب لوقوعه فى قيد "الرق" إلا إنها موجودة مع عودته وفى انتظار العودة وفى الحب المجهض للفوارق بين من هو فى القيد ومن يملك هذا القيد وتستطيع هذه الصور المختلفة أن تجعل من صورة الاخت والحبيبة والحفيدة الوطن الذى غاب عن رحلة "علي جفون"وتأتى لحظة التعامل الأخير مع حادث استرقاق للحفيدة من جانب" العطار" فى امدرمان وصوره تاجر الرقيق المخنث والذى يلقي مصرعه فى معركة 
فى معركة من جانب واحد قادها "جفون" والتقاء على مستوى الوطن فى تحرير اسيرة مأساة "المتمة" وهي مأساة فيها صورة دموية أخري لجانب مظلم من جغرافية غياب إنسانية الإنسان وظهور توحشه. 
رحلة ومكان
استوعبت رحلة "علي جفون"جغرافية السودان الحديث فى نقطة بداية من فشودة التى، اقتلع منها' فترك المنبع ونهر الحياة الذى من خرج.  وسفر الخروع هذا من الجنوب إلى الغرب والشرق،  القاهرة، مصوع، كرن، المكسيك. تركت هذه الأماكن أثرها الثقافي والحضاري على شخصية " علي جفون" لكنها ظلت تعيش فروسية متوارثة وصمود عظيم ضد كل أدوات الاستلاب فى تلقائية ونفس عالية، فى كل مراحل للحدث السردي، من مرحلة التكوين والثقافة المكتسبة والعودة من جديد للوطن الأم فشودة، الوطن الحبيبة والحنين والثقافة. 
الرمز :
يقول نورمان فيركلف فى كتابه "الخطاب والتعبير الاجتماعي "على لسان.ميشيل  فوكو"ألم تنجح ممارسة الخطاب الثوري والخطاب العلمي على إمتداد قرنين في تحريرك من الفكرة، التى تقول" إن الألفاظ، ريح، همس خارجي،  رفرفة أجنحة  يصعب على المرء سماعها فى قصة التاريخ الخطيرة " 
يدور السرد حول الأسم "فشودة " فى المعنى  الثقافي لثقافة  (الشلك)بأبعادها المكانية والسلطة الزمنية والروحية ممثلة فى "الرث" وحديث الرث عبدالفضيل" مع "على جفون " الذى  أريد تأكيده لك أن اكون الرث فهذا قدرى وليس إختياري . من الصعب أن تكون الرث وهنالك من يحكم أرضك بدلا عنك هذا يقود الى نهاية واحدة، وعندما أنظر الى ماحدث للذين سبقوني أكون ساذجا بدرجة كبيرة لو إعتقدت أن مصيري سيكون مختلفا عن مصائرهم. هناك فرق بين أن تقتل كرث وفقا لطقوس وعادات اهلك.  وبين أن يقتلك الاتراك أو الأنصار او الانجليز "
حادث فشودة المشهورة فى التسابق الاستعماري على أفريقيا، كانت دائما العنوان الأبرز للتاريخ لمنطقة فشودة وظلت تستحوذ على حيز كبير من قراءة لثقافة هذه البقعة ذات التاريخ الطويل فى جغرافية السودان البشرية وتختلف مناطق قبيلة الشلك فى حضورها داخل الثقافة الجمعية لمكون السودان الحديث،  وفى رواية فشودة كانت الحادثة الاستعمارية بين بريطانيا وفرنسا قليلة التأثير فى المجرى العام لحركة السرد الداخلى وانبي السرد على ثقافة المنطقه والقبيلة وصوت "علي جفون "
يقول الدكتور عبدالسلام بنعبدالعالي فى كتابه " ميثولوجيا الواقع " "ليس استدعاء التراث هنا إسترجاع لمبدأ تفسير نعلل به تسلسل الوقائع التاريخية،  لايتم النظر إلى التراث إلا من خلال فلسفة فى التاريخ ترد التاريخ إلى كلية ميتافيزيقية.  إن الاسترجاع هنا استرجاع لهوياتنا. حيث أن ذلك التراث، تراثنا المنسي.  غير أن النسيان لايعني الغياب،  إنه ليس قوة سلبية.  النسيان قدرة إيجابية تطلق من حين لآخر ابواب الوعي ونوافذه، فتحول دون تدفق الماضى وسعيه لأن يحضر ويتجمد"
اعادت رواية فشودة للكاتب الدكتور أحمد حسب الحاج، سؤال الحاضر الى ماضي بعيد واعطته سردية مفعمة بالحيوية. 
ملخص الورقة 
1/سؤال المسكوت عنه، سؤال صريح ومكشوف، لكن الإجابة عليه هى الأصعب 
2/استلهام التاريخ أحيانا قد يجرنا إلى متاهات جدلية مضنية،  إلا أن رواية فشودة جعلته تاريخ سردي موازي لهذا التاريخ يقرأ هذا التاريخ بالخيال والعلمية 
3/من العسير قراءة رواية بحجم فشودة، فى ورقه واحدة، ولكن المنحى الجمالي السردي الذى اتبعه الكاتب، كان سلاسة متناهية وممتعة. 
4/دخول اللغة العصرية ومشتقاتها أحيانا قد يخل بالسياق العام لذلك العصر ولغته ولكن اللغة السردية كان تنقل ذلك العص بلغة اليوم وأحداث الأمس فى تمكن من أدوات الكتابة. 
5/ إن من تمام صحة كتابة الرواية التاريخية أن ننظر لها كما تقول الناقدة اللبنانية الدكتورة "يمنى العيد" "أن نعيد النظر في التاريخ، تاريخنا دون أن يكون تاريخا".