سحر (الأنت) في السرد

سحر (الأنت) في السرد فريق الناظر للهادي علي راضي مثالاً صلاح محمد الحسن القويضي (ناقد / مترجم) ******* كنت قد كتبت ذات مرة عن سحر استخدام ضمير المخاطب المفرد (أنت ومشتقاته) في السرد والروي. استخدام (الأنت) ينقل القاريء من خانة (المتلقي) لخانة (الفاعل). الكتابة بهذا (الضمير) تجعل القاريء في (قلب) الحدث فيحس لأنه (بؤرة) السرد ومصدره لا مجرد (مراقب) لما (يُروى).

سحر (الأنت) في السرد

سحر (الأنت) في السرد
فريق الناظر للهادي علي راضي مثالاً
صلاح محمد الحسن القويضي (ناقد / مترجم)
*******

 

 


كنت قد كتبت ذات مرة عن سحر استخدام ضمير المخاطب المفرد (أنت ومشتقاته) في السرد والروي. استخدام (الأنت) ينقل القاريء من خانة (المتلقي) لخانة (الفاعل). الكتابة بهذا (الضمير) تجعل القاريء في (قلب) الحدث فيحس لأنه (بؤرة) السرد ومصدره لا مجرد (مراقب) لما (يُروى).
من أبرع التطبيقات لهذه التقنية (الساحرة) ما خطه الروائي الصديق الهادي علي راضي في الصفحات ٨٣ - ٨٥ من سرديته الجميلة (فريق الناظر). يقول الهادي الراضي:
{من عليائك تنظر فترى جمعاً غفيراً في حفل ... رزيم نقارة ورقصاً ... تصفيقاً وكريراً ... فرساناً على صهوات جياد ببض ... رماحاً وسيوفاً ... مسدسات وبنادق. ثم يبين وسط الساحة عروسان. العريس جالس على عنقريب. العنقريب محمول فوق أعناق. أعناق أربعة شبان وسيمين. العروس في هودج. الهودج على ظهر بعير ناصع البياض. الشبان الأربعة يقتربون من البعير الناصع. العريس برفق يكشف وجه الفتاة ... وجه كالفحر ..  وجه (جدية) رفيقة طفولتك. فجأة يخرج من عينيها بريق قوي يعطي على كل شيء. يسكت صوت النقارة. يتسمر الراقصون ... يحتبس الكرير في الحناجر ويختفي وهج الرماح والسيوف.
من عليائك تنظر ... ترى الضوء وقد (أذاب) الفرسان وجيادهم ... تلاشى السلام الأربعة وبقي العريس معلقاً في الهواء.

 

 


من عليائك تنظر  فتبصر  كائناً يتخلف من الكائنات التي انصهرت وذابت ... كائن له جسد بعير ورأس إنسان ضخامة الكائن المتحور ملأت المكان ... انقطع الشعاع من عيني (جدية) ... خلا المكان من بقية الكائنات. لم يعد هناك سواها وسوى زوجها الكائن الأسطوري. وانت من عليائك تنظر إلى الساحة فترة (جدية) تصوب نظرتها الفاتنة إليك وتبتسم. تنظر إليها وتبتسم. تبادلتما النظر والابتسام ... العريس من موقعه الهيولي يحييك فترد تحيته. الكائن الأسطوري يرفع رأسه نحو السماء فيلتقي نظره بنظرك. كِدت أن تقع من عليائك ... كان ذلك وجه ود الساير بعينيه الكحيلتين وشفتيه الرقيقتين ... تصحو مذعورا}.
قصدت ان اقتبس النص بهذا الطول لتكتمل الرؤية والرؤيا.
مما يزيد سحر السرد هنا أن كل المشهد (حلم). ولكنه حلم يستعيد حدثاً حقيقياً سبق للراوي (الأنت) أن شهده ورواه.
استطاع الهادي راضي ان يستفيد من مهاراته ككاتب قصة قصيرة ممتاز في إدراج هذا المشهد (الفانتازي) بهذه التقنية الساحرة ليربط بين ما (سبق) وما (سوف يأتي).
بهذه الشحنة (السحرية) يستريح القاريء من ركض متابعة (الحدث)فيما قبلها ويمتليء بطاقة (روحية) تعينه وتهيؤه بقراءة ما بعدها
وفق الهادي في هذا النقطه في إختيار لغة (شعرية) تتناسب مع أجواء (الحلم) الفانتازية بدون أن يضحي بذلك الدفق الشجي من التعابير الفولكلورية التي أضافت للنص ألقاً على ألق.
استخدم الهادي في هذا الحلم تقنية الجمل القصيرة المتقطعة التي جعلت منه مشهدا سينمائياً جاهزة للتنفيذ بدون الحاجة لأي سيناريو أو إعداد.
(فريق الناظر) رواية جديرة بأن تقرأ عدة مرات وان اكتب عنها المقالات لكشف أسرار السرد الباذخ لهذا الحكاء (ابن جدته) الذي من نعم الله علي أن كان صديقاً لي.