عجوزان فوق الشجرة عيسى الحلو

عجوزان فوق الشجرة عيسى الحلو كانا معاً العجوز رضية.. والعجوز معتصم، يقفان جنبا الى جنب خلف النافذة ومنها جنباً كانا ينظران الى الحديقة. كان المساء يضفي لونه الرمادي على الفضاء ويلون الخضرة كلها بلون اغبش خفيف فكانت الحديقة كلها تذوب في المساء اما السماء الغربية فكانت تكتسي بالوان حمراء وصفراء وبرتقالية وتتلاشى الالوان في بطء تمهد لليل لان يدخل في المشهد المتسع الافق.

عجوزان فوق الشجرة عيسى الحلو

عجوزان فوق الشجرة

عيسى الحلو

 

كانا معاً العجوز رضية.. والعجوز معتصم، يقفان جنبا الى جنب خلف النافذة ومنها جنباً كانا ينظران الى الحديقة.

كان المساء يضفي لونه الرمادي على الفضاء ويلون الخضرة كلها بلون اغبش خفيف فكانت الحديقة كلها تذوب في المساء اما السماء الغربية فكانت تكتسي بالوان حمراء وصفراء وبرتقالية وتتلاشى الالوان في بطء تمهد لليل لان يدخل في المشهد المتسع الافق.

وفي وسط الحديقة تزهر شجرة التين فوق شجرة التين هبط عصوران متعبان ونظرت رضية الى اسفل فكانت الارض مخضرة العشب ونظر معتصم كانت الاوراق الذابلة تتساقط وتطفو فوق الماء الذي يغمر العشب نظرت رضية اختلجت الاجنحة تهم بالطيران . ربما سيرحلان معا من جديد ورأي معتصم ذات الاختلاجات اذا سيرحلان في اتجاهين متعاكسين نظرت رضية.. ربما هما سيطيران معا وفي اتجاه واحد.

انطلق العصفوران دارا دورة واحدة حول شجرة التين ثم اختفيا في طيران عال وغابا في قلب الليل.

في الايام الاولى في بدايات قصتهما كانت الحياة حولهما يانعة وثمار التين كانت قد بدأت تصنع رحيقها الحلو، وكان العصفوران يغردان معا ويحلقان معا ثم ينزلان على الغصون بعد ان ينال منهما التعب السعيد وبعد هذا الاعياء اخذا يفكران في الراحة كأن يضعا حداً لهذا التوتر وفي الشتاء تزوجا فاستدفئا بالمشاركة وظنا انهما قد وضعا حداً للقلق.

وفيما بعد في زمن طويل حلقا معا دخلا كل الحدائق اكتشفا تقلبات الحياة اكتشفا ان الحياة هي دائماً اشياء قليلة اقل مما ينبغي وكانت الايام مثل امواج تذهب وتجيئ تغذيها الشؤون الصغيرة عرفا انه من الصعب ان تتحمل انساناً لوقت اطول مما ينبغي وكانت لمسات الايدي تفقد دفئها، وتلاشت استيهامات الحب وعدم الصبر يولد الضيق وفي ذاك المساء جاء الضيوف على العشاء ولكن رضية نسيت الامر كله فتشاجرا وصفع معتصم رضية فكاد الطلاق يقع وقبل النوم تبادلا الاعتذارات.

«انا لك الى الابد» قالت رضية

«انا لك الى الابد» قال معتصم

استمرت حياتهما.. وكانت الايام تكرر نفسها والحياة بينهما مثل ساعة رملية يمتلئ اسفلها بالسأم فكان يشتري لها عقداً ويقول «هذا لك.. وانا لك الى الابد».. وكانت تشتري له ربطة عنق حريرية وتقول «هذه لك وانا لك الى الابد».

كان الحوار بينهما يدور حينما يتصافيان وتواصل الساعة الرملية عملها، ومن حين لحين كانا يغلبان الساعة رأسا على عقب، لتجدد دورانها لقد كانت توترات الحب بينهما تتجلي في التفاصيل اليومية الصغيرة فهي مكينزمات حتمية احياناً واحياناً هي اندفاعات وتوازنات سايكولوجية تعمل في الحفاظ على تماسك علاقتهما ووسط كل هذا ما كان احدهما ليعرف هذا الذي يحدث له بالضبط لقد اعيتهما هذه الجهود لكي يحتفظ كل منهما بالآخر.. وبسبب هذا الاعياء.. اخذ كل منهما يفكر في التخلص من الاخر.

في ذاك الصباح اعاد معتصم توصيل اسلاك الكهرباء للغسالة حتى تكهربت الآلة تماماً، ولكنه.. خاف ان تموت رضية بضربة صاعقة مفاجئة كان يسمع ازيز الآلة ورضية تعمل ويداها مغموستان في زبد الصابون.. وقف معتصم الى جوارها نظرت بطرف عينيها.. وقال بصوت هادئ.. لقد اصلحت العطب.

**

نظرا معاً للعصفورين المعلقين بأعلى شجرة التين توترا سيفترقان في رحلتهما القادمة؟ هل سيظلان معا ليدمر كل منهما الآخر؟

كانا عجوزين رائعين.. متعلقين بالحياة.. ممتلئين بالخوف من الموت.. ان يموت كل منهما علي حدة او ان يقتل احدهما الآخر فكان الحب يرتعش مع الاجساد الشائخة المرتعشة، المساء يهبط.. النهار يتقلص مثل ثوب ويخلع نفسه من جسد الوجود، ومن خلف النافذة ينظران معا لهذا التراجع التدريجي للنهار وكان كل منهما يسأل نفسه «هل يمكن لي ان احب من جديد؟»

في تلك الليلة هبت عاصفة من عواصف شهر يونيو كانت الابواب والنوافذ تصطفق والتراب الناعم الاحمر ينعقد سحابات فوق رأسي العجوزين، وهما صامتان متقابلان وجها لوجه والعجوز رضية تجلس على مقعدها تضع نظارتها على عينيها وتواصل حياكة وترقيع الملابس القديمة وكاد العجوز معتصم ينفجر من الغيظ اذ احاطت به الغيمة الترابية ورضية في صمتها ولا مبالاتها واخذت الابواب و النوافذ تصطفق اذا لقد انكشف المستور وانتهى كل شئ نعم لقد حافظت رضية على القيام بواجباتها ان تغسل قدمي معتصم بالماء الدافئ وتعد له مرق اللحم بالخضار وتأتيه بجلباب النوم ولكن شيئاً ما فيها تغير ربما معتصم هو الذي تغير، هكذا كانت منولوجاتها الداخلية تعمل جاهدة في طحن الافكار.

كانا واقفين جنباً الى جنب خلف النافذة والحديقة والعصفوران يبذلان قصارى الجهود ليسع المنظر هذه التداعيات..

يقولون ان السأم كالصدأ يأكل كل الاشياء التي يكسوها.. هو شئ من هذا القبيل شئ يحدث خلف النافذة فكاد العصفوران يشعران به فاختلجت الاجنحة وهما بالانطلاق واشتد هبوب العاصفة اشتد اصطفاق النوافذ والابواب وانقلبت الصورة الفوتوغرافية المعلقة على الحائط انقلبت الصور على وجوهها.

كانت هي خمس صور صورة البنت الكبرى والولد الاوسط و البنت الصغرى فالولد هاجر الى الخليج والبنت الصغرى سافرت مع زوجها الى كندا والبنت الكبرى مع زوجها في امدرمان وهناك صورة لمعتصم وصورة لرضية، عدل معتصم اوضاع الصور وترك صورة رضية مقلوبة منذ تلك الليلة تغيرت حياة العجوزين.

اخذ معتصم يجئ مع الفجر صبغ شعره اشترى قمصاناً جديدة واخذ يمشي وهو يدندن بلحن مرح . وفي صمت حزمت رضية حقيبتها وذهبت لبنتها في امدرمان.

اقفر البيت المهجور، ذبلت أصص الورد ماتت العصافير في اقفاصها وهرب العصفوران في قلب الليل وفي خطابات الاولاد المتبادلة كانت القصة تاخذ شكل المهزلة ثم تتبدل الى قصة رومانسية شيقة.

انطلق العجوزان في سموات واسعة فكان العجوز معتصم دائم الاصطحاب لفتاة سمراء طويلة ورضية شوهدت تركب سيارة كريسيدا حمراء بصحبة شاب ثم شوهدوا كلهم معا داخل الحديقة العامة كما لو كانوا يلتقون مصادفة.

***

عندما دلفت رضية الى الحديقة رأت الازهار.. والعصافير وجريان الماء المنطلق، كانت الحياة كلها تنطلق، وتحت وطأة الاحساس الجديد اصطنعت لها عادات جديدة فكانت تجلس علي ذاك المقعد الذي يتوسط الحديقة والى جانبها صديقها الشاب وفي ذات اللحظة جاء معتصم بصحبة فتاته الطويلة السمراء وجلسا الى ذات المقعد.. وكانوا كلهم يتحدثون في وقت واحد كانت الاصوات تتداخل وتتوازى وتتقاطع ولا تلتقى ابداً عند نقطة ما وفجأ اشتبك اربعتهم في عراك وعندما صفع الشاب رضية انبرى له معتصم وتدخل رواد الحديقة في فض العراك.

***

امسك معتصم بذراع رضية وذهبا ملتصقين ورأس رضية يستلقى على صدر معتصم وهي تبكي.

وفي الايام التالية تظاهر العجوزان بانهما التقيا في حديقة البلدية لاول مرة فتحابا من جديد وان ما حدث لهما يحدث فقط لاول مرة وان ما يتردد هو محض خيال كذوب..

وفي الشهور التالية بدأ في تنفيذ مشروعهما المشترك اذ بنيا مقبرتين جميلتين احاطا المقبرتين بحديقة ورد في وسطها شجرة تين مذهرة.

وخلف النافذة كانا يقفان جنباً الى جنب وتنظر رضية للعصفورين ينظر معتصم لشجرة التين.

**

ويهمسان «اننا نمنح نفسينا فرصة اخرى فان لم يعد هنا وقت فهناك يتسع الوقت».

وفي هذا كله كانا مثل عصفورين معلقين فوق شجرة.. كانا يقفان خلف النافذة ينظران الى الحديقة فكانت الحديقة تتسع وتتسع لتستتوعب المشهد حيث تتدفق منولوجات العجوزين كما الجداول الجارية في فضاءات المساء وترجيعات ارتعاشات الشيخوخة.